الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
126
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فجملة لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ إلى آخرها مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عن سؤال مفروض ممن يسمع جملة وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ [ الممتحنة : 2 ] ، أي من حق ذلك أن يسأل عن آثاره لخطر أمرها . وإذا كان ناشئا عن كلام جرى مجرى التعليل لجملة فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ [ الممتحنة : 1 ] ، فهو أيضا مفيد تعليلا ثانيا بحسب المعنى ، ولولا إرادة الاستئناف البياني لجاءت هذه الجملة معطوفة بالواو على التي قبلها ، وزاد ذلك حسنا أن ما صدر من حاطب ابن أبي بلتعة مما عدّ عليه هو موالاة للعدوّ ، وأنه اعتذر بأنه أراد أن يتخذ عند المشركين يدا يحمون بها قرابته ( أي أمه وأخواته ) . ولذلك ابتدئ في نفي النفع بذكر الأرحام لموافقة قصة حاطب لأن الأم ذات رحم والإخوة أبناؤها هم إخوته من رحمه . وأما عطف وَلا أَوْلادُكُمْ فتتميم لشمول النهي قوما لهم أبناء في مكة . والمراد بالأرحام : ذوو الأرحام على حذف مضاف لظهور القرينة . و يَوْمَ الْقِيامَةِ ظرف يتنازعه كل من فعل لَنْ تَنْفَعَكُمْ ، وفعل يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ . إذ لا يلزم تقدم العاملين على المعمول المتنازع فيه إذا كان ظرفا لأن الظروف تتقدم على عواملها وأن أبيت هذا التنازع فقل هو ظرف تَنْفَعَكُمْ واجعل ل يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ظرفا محذوفا دلّ عليه المذكور . والفصل هنا : التفريق ، وليس المراد به القضاء . والمعنى : يوم القيامة يفرق بينكم وبين ذوي أرحامكم وأولادكم فريق في الجنة وفريق في السعير ، قال تعالى : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [ عبس : 34 - 37 ] . والمعنى : أنهم لا ينفعونكم يوم القيامة فما لكم ترفضون حقّ اللّه مراعاة لهم وهم يفرّون منكم يوم اشتداد الهول ، خطّأ رأيهم في موالاة الكفار أولا بما يرجع إلى حال من والوه . ثم خطّاه ثانيا بما يرجع إلى حال من استعملوا الموالاة لأجلهم ، وهو تقسيم حاصر إشارة إلى أن ما أقدم عليه حاطب من أي جهة نظر إليه يكون خطأ وباطلا . وقرأ الجمهور يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ببناء يَفْصِلُ للمجهول مخففا . وقرأه عاصم ويعقوب يَفْصِلُ بالبناء الفاعل ، وفاعله ضمير عائد إلى اللّه لعلمه من المقام ، وقرأه حمزة والكسائي وخلف يَفْصِلُ مشدد الصاد مكسورة مبنيا للفاعل مبالغة في الفصل ، والفاعل ضمير يعود إلى اللّه المعلوم من المقام .