الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

124

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والباء متعلقة باسم التفضيل وهي بمعنى المصاحبة . وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ . عطف على جملة النهي في قوله تعالى : لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ ، عطف على النهي التوعد على عدم الانتهاء بأن من لم ينته عما نهي عنه هو ضالّ عن الهدى . وضمير الغيبة في يَفْعَلْهُ عائد إلى الاتخاذ المفهوم من فعل لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي أي ومن يفعل ذلك بعد هذا النهي والتحذير فهو قد ضلّ عن سواء السبيل . و سَواءَ السَّبِيلِ مستعار لأعمال الصلاح والهدى لشبهها بالطريق المستوي الذي يبلغ من سلكه إلى بغيته ويقع من انحرف عنه في هلكة . والمراد به هنا ضلّ عن الإسلام وضلّ عن الرشد . و مِنَ شرطية الفعل بعدها مستقبل وهو وعيد للذين يفعلون مثل ما فعل حاطب بعد أن بلغهم النهي والتحذير والتوبيخ والتفظيع لعمله . [ 2 ] [ سورة الممتحنة ( 60 ) : آية 2 ] إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ( 2 ) تفيد هذه الجملة معنى التعليل لمفاد قوله تعالى : فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ [ الممتحنة : 1 ] باعتبار بعض ما أفادته الجملة ، وهو الضلال عن الرشد ، فإنه قد يخفى ويظنّ أن في تطلب مودّة العدوّ فائدة ، كما هو حال المنافقين المحكي في قوله تعالى : الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ النساء : 141 ] ، فقد يظن أن موالاتهم من الدهاء والحزم رجاء نفعهم إن دالت لهم الدولة ، فبيّن اللّه لهم خطأ هذا الظنّ ، وأنهم إن استفادوا من مودتهم إياهم اطلاعا على قوتهم فتأهبوا لهم وظفروا بهم لم يكونوا ليرقبوا فيهم إلّا ولا ذمّة ، وأنهم لو أخذوهم وتمكنوا منهم لكانوا أعداء لهم لأن الذي أضمر العداوة زمنا يعسر أن ينقلب ودودا ، وذلك لشدة الحنق على ما لقوا من المسلمين من إبطال دين الشرك وتحقير أهله وأصنامهم . وفعل يَكُونُوا مشعر بأن عداوتهم قديمة وأنها تستمر . والبسط : مستعار للإكثار لما شاع من تشبيه الكثير بالواسع والطويل ، وتشبيه ضده