الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

106

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يعرفوا جلائل صفاته التي لتعلقاتها آثار في الأحوال الحاصلة والتي ستحصل من هذه الفتوح وليعلم المشركون والكافرون من اليهود أنهم ما تعاقبت هزائمهم إلّا من جرّاء كفرهم . ولما كان شأن هذه الصفات عظيما ناسب أن تفتتح الجملة بضمير الشأن ، فيكون اسم الجلالة مبتدأ و الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خبر . والجملة خبر عن ضمير الشأن فيكون اسم الجلالة مبتدأ و الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خبرا والجملة خبرا عن ضمير الشأن . وابتدئ في هذه الصفات العلية بصفة الوحدانية وهي مدلول الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وهي الأصل فيما يتبعها من الصفات . ولذلك كثر في القرآن ذكرها عقب اسم الجلالة كما في آية الكرسي ، وفاتحة آل عمران . وثني بصفة عالِمُ الْغَيْبِ لأنها الصفة التي تقتضيها صفة الإلهية إذ علم اللّه هو العلم الواجب وهي تقتضي جميع الصفات إذ لا تتقوّم حقيقة العلم الواجب إلا بالصفات السّلبية ، وإذ هو يقتضي الصفات المعنوية ، وإنما ذكر من متعلقات علمه أمور الغيب لأنه الذي فارق به علم اللّه تعالى علم غيره ، وذكر معه علم الشهادة للاحتراس توهّم أنه يعلم الحقائق العالية الكلية فقط كما ذهب إليه فريق من الفلاسفة الأقدمين ولأن التعريف في الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ للاستغراق . أي كل غيب وشهادة ، وذلك مما لا يشاركه فيه غيره . وهو علم الغيب والشهادة ، أي الغائب عن إحساس الناس والمشاهد لهم . فالمقصود فيهما بمعنى اسم الفاعل ، أي عالم ما ظهر للناس وما غاب عنهم من كل غائب يتعلق به العلم على ما هو عليه . والتعريف في الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ للاستغراق الحقيقي . وفي ذكر الغيب إيماء إلى ضلال الذين قصروا أنفسهم على المشاهدات وكفروا بالمغيبات من البعث والجزاء وإرسال الرسل ، أمّا ذكر علم الشهادة فتتميم على أن المشركين يتوهمون اللّه لا يطلع على ما يخفونه . قال تعالى : وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ إلى قوله : مِنَ الْخاسِرِينَ [ فصلت : 22 ، 23 ] . وضمير هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ضمير فصل يفيد قصر الرحمة عليه تعالى لعدم الاعتداد برحمة غيره لقصورها قال تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ الأعراف : 156 ] . و قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « جعل اللّه الرحمة في مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءا واحدا . فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه » . وقد تقدم الكلام على الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ في سورة الفاتحة [ 3 ] .