الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
92
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ختمت السورة بأمره بالصبر تسلية له وبأمره بالتسبيح وحمد اللّه شكرا له على تفضيله بالرسالة . والمراد بحكم ربك ما حكم به وقدره من انتفاء إجابة بعضهم ومن إبطاء إجابة أكثرهم . فاللام في قوله : لِحُكْمِ رَبِّكَ يجوز أن تكون بمعنى ( على ) فيكون لتعدية فعل اصْبِرْ كقوله تعالى : وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ [ المزمل : 10 ] . ويجوز فيها معنى ( إلى ) أي اصبر إلى أن يحكم اللّه بينك وبينهم فيكون في معنى قوله : وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ [ يونس : 109 ] ويجوز أن تكون للتعليل فيكون لِحُكْمِ رَبِّكَ هو ما حكم به من إرساله إلى الناس ، أي اصبر لأنك تقوم بما وجب عليك . فللام في هذا المكان موقع جامع لا يفيد غير اللام مثله . والتفريع في قوله : فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا تفريع العلة على المعلول اصْبِرْ لأنك بأعيننا ، أي بمحل العناية والكلاءة منا ، نحن نعلم ما تلاقيه وما يريدونه بك فنحن نجازيك على ما تلقاه ونحرسك من شرهم وننتقم لك منهم ، وقد وفى بهذا كله التمثيل في قوله : فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا ، فإن الباء للإلصاق المجازي ، أي لا نغفل عنك ، يقال : هو بمرأى مني ومسمع ، أي لا يخفى عليّ شأنه . وذكر العين تمثيل لشدة الملاحظة وهذا التمثيل كناية عن لازم الملاحظة من النصر والجزاء والحفظ . وقد آذن بذلك قوله : لِحُكْمِ رَبِّكَ دون أن يقول : واصبر لحكمنا ، أو لحكم اللّه ، فإن المربوبية تؤذن بالعناية بالمربوب . وجمع الأعين : إما مبالغة في التمثيل كأنّ الملاحظة بأعين عديدة كقوله : وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا [ هود : 37 ] وهو من قبيل وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ [ الذاريات : 47 ] . ولك أن تجعل الجمع باعتبار تعدد متعلّقات الملاحظة فملاحظة للذب عنه ، وملاحظة لتوجيه الثواب ورفع الدرجة ، وملاحظة لجزاء أعدائه بما يستحقونه ، وملاحظة لنصره عليهم بعموم الإيمان به ، وهذا الجمع على نحو قوله تعالى في قصة نوح : وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنا [ القمر : 13 ، 14 ] لأن عناية اللّه بأهل السفينة تتعلّق بإجرائها وتجنيب الغرق عنها وسلامة ركابها واختيار الوقت لإرسائها وسلامة الركاب في هبوطهم ، وذلك خلاف قوله في قصة موسى وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي [ طه : 39 ] فإنه