الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

91

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وإن لهم عذابا جريا على أسلوب قوله : فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ [ الطور : 45 ] فخولف مقتضى الظاهر لإفادة علة استحقاقهم العذاب في الدنيا بأنها الإشراك باللّه . وكلمة دُونَ أصلها المكان المنفصل عن شيء انفصالا قريبا ، وكثر إطلاقه على الأقل ، يقال : هو في الشرف دون فلان ، وعلى السابق لأنه أقرب حلولا من المسبوق ، وعلى معنى ( غير ) . و دُونَ في هذه الآية صالحة للثلاثة الأخيرة ، إذ المراد عذاب في الدنيا وهو أقل من عذاب الآخرة قال تعالى : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ [ السجدة : 21 ] وهو أسبق من عذاب الآخرة لقوله تعالى : دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ ، وهو مغاير له كما هو بيّن . ولكون هذا العذاب مستبعدا عندهم وهم يرون أنفسهم في نعمة مستمرة كما قال تعالى : لَيَقُولَنَّ هذا لِي [ فصلت : 50 ] أكد الخبر ب إِنَّ فالتأكيد مراعى فيه شكهم حين يسمعون القرآن ، كما دل عليه تعقيبه بقوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ . والاستدراك الذي أفادته ( لكنّ ) راجع إلى مفاد التأكيد ، أي هو واقع لا محالة ولكن أكثرهم لا يعلمون وقوعه ، أي لا يخطر ببالهم وقوعه ، وذلك من بطرهم وزهوهم ومفعول لا يَعْلَمُونَ محذوف اختصارا للعمل به وأسند عدم العلم إلى أكثرهم دون جميعهم لأن فيهم أهل رأي ونظر يتوقعون حلول الشر إذا كانوا في خير . والظلم : الشرك قال تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] وهو الغالب في إطلاقه في القرآن . [ 48 ، 49 ] [ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 48 إلى 49 ] وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ( 48 ) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ ( 49 ) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا . عطف على جملة فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ [ الطور : 45 ] إلخ ، وما بينهما اعتراض وكان مفتتح السورة خطابا للنبي صلى اللّه عليه وسلم ابتداء من قوله تعالى : إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ [ الطور : 7 ] المسوق مساق التسلية له ، وكان في معظم ما في السورة من الأخبار ما يخالطه في نفسه صلى اللّه عليه وسلم من الكدر والأسف على ضلال قومه وبعدهم عما جاءهم به من الهدى