الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
317
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
على الرحمة لأن من كان في رحمة اللّه فهو الحيّ حقا ، فهو ذو روح ، أما من كان في العذاب فحياته أقل من الموت ، قال تعالى : لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى * [ الأعلى : 13 ] ، أي لأنه يتمنى الموت فلا يجده . والريحان : شجر لورقة وقضبانه رائحة ذكية شديد الخضرة كانت الأمم تزين به مجالس الشراب . قال الحريري « وطورا يستبزل الدنان ، ومرة يستنشق الريحان » وكانت ملوك العرب تتخذه ، قال النابغة : يحيّون بالريحان يوم السباسب وتقدم عند قوله تعالى : وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ في سورة الرحمن [ 12 ] ، فتخصيصه بالذكر قبل ذكر الجنة التي تحتوي عليه إيماء إلى كرامتهم عند اللّه ، مثل قوله : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [ الرعد : 23 ، 24 ] . وجملة فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ جواب ( أما ) التي هي بمعنى : مهما يكن شيء . وفصل بين ( ما ) المتضمنة معنى اسم شرط وبين فعل شرط وبين الجواب بشرط آخر هو إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ لأن الاستعمال جرى على لزوم الفصل بين ( أمّا ) وجوابها بفاصل كراهية اتصال فاء الجواب بأداة الشرط لما التزموا حذف فعل الشرط فأقاموا مقامه فاصلا كيف كان . وجواب ( إن ) الشرطية محذوف أغنى عنه جواب ( أمّا ) . وكذلك قوله : فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ . والسلام : اسم للسلامة من المكروه ، ويطلق على التحية ، واللام في قوله : لَكَ للاختصاص . والكلام إجمال للتنويه بهم وعلوّ مرتبتهم وخلاصهم من المكدرات لتذهب نفس السامع كل مذهب . واختلف المفسرون في قوله : فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فقيل : كاف الخطاب موجهة لغير معين ، أي لكل من يسمع هذا الخبر . والمعنى : أن السلامة الحاصلة لأصحاب اليمين تسر من يبلغه أمرها . وهذا كما يقال : ناهيك به ، وحسبك به ، و ( من ) ابتدائية ، واللفظ جرى مجرى المثل فطوي منه بعضه ، وأصله : فلهم السلامة سلامة تسرّ من بلغه حديثها .