الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
271
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
كثيرة كما اقتضاه جمع أكواب وأباريق ، فإذا كانت آنية حمل الخمر كثيرة كانت كئوس الشاربين أكثر ، وإنما أوثرت صيغة المفرد لأن في لفظ كئوس ثقلا بوجود همزة مضمومة في وسطه مع ثقل صيغة الجمع . والمعين : الجاري ، والمراد به الخمر التي لكثرتها تجري في المجاري كما يجري الماء وليست قليلة عزيزة كما هي في الدنيا ، قال تعالى : وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [ محمد : 15 ] . وليس المراد بالمعين الماء لأن الكأس ليست من آنية الماء وإنما آنيتهما الأقداح ، وقد تقدم في سورة الصافات [ 45 ، 47 ] يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ وتلك صفات الخمر . والتصديع : الإصابة بالصداع ، وهو وجع الرأس من الخمار الناشئ عن السكر ، أي لا تصيبهم الخمر بصداع . ومعنى ( عنها ) مجاوزين لها ، أي لا يقع لهم صداع ناشئ عنها ، أي فهي منزهة عن ذلك بخلاف خمور الدنيا فاستعملت ( عن ) في معنى السببية . وعطف وَلا يُنْزِفُونَ على لا يُصَدَّعُونَ عَنْها فيقدر له متعلق دل عليه متعلق لا يُصَدَّعُونَ فقد قال في سورة الصافات [ 47 ] ، وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ أي لا يعتريهم نزف بسببها كما يحصل للشاربين في الدنيا . والنزف : اختلاط العقل ، وفعله مبني للمجهول يقال : نزف عقله مثل : عني فهو منزوف . وقرأ الجمهور يُنْزِفُونَ بفتح الزاي من أنزف الذي همزته للتعدية . وقرأه حمزة والكسائي وخلف بكسر الزاي من أنزف المهموز القاصر إذا سكر وذهب عقله . والفاكهة : الثمار والنقول كاللوز والفستق ، وتقدم في سورة الرحمن . وعطف فاكِهَةٍ على بِأَكْوابٍ ، أي ويطوفون عليهم بفاكهة وذلك أدخل في الدعة وألذّ من التناول بأيديهم ، على أنهم إن اشتهوا اقتطافها بالأيدي دنت لهم الأغصان فإن المرء قد يشتهي تناول الثمرة من أغصانها . و مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ : الجنس الذي يختارونه ويشتهونه ، أي يطوفون عليهم بفاكهة من الأنواع التي يختارونها ، ففعل يَتَخَيَّرُونَ يفيد قوة الاختيار .