الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

190

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بِالنُّذُرِ [ القمر : 23 ] ، وبذلك انتظم الكلام أتم انتظام . وقرأ الجمهور سَيَعْلَمُونَ بياء الغيبة . وقرأ ابن عامر وحمزة ستعلمون بتاء الخطاب وهي تحتمل أن يكون هذا حكاية كلام من اللّه لصالح على تقدير : قلنا له : قل لهم ، ففيه حذف قول . ويحتمل أن يكون خطابا من اللّه لهم بتقدير : قلنا لهم ستعلمون . ويحتمل أن يكون خطابا للمشركين على جعل الجملة معترضة . والمراد من قوله : غَداً الزمن المستقبل القريب كقولهم في المثل : إن مع اليوم غدا ، أي إن مع الزمن الحاضر زمنا مستقبلا . يقال في تسلية النفس من ظلم ظالم ونحوه ، وقال الطرمّاح : وقبل غد يا ويح قلبي من غد * إذا راح أصحابي ولست برائح يريد يوم موته . والمراد به في الآية يوم نزول عذابهم المستقرب . وتبيينه في قوله : إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ [ القمر : 27 ] إلخ ، أي حين يرون المعجزة وتلوح لهم بوارق العذاب يعلمون أنهم الكذّابون الأشرون لا صالح . وعلى الوجه الثاني في ضمير سَيَعْلَمُونَ يكون الغد مرادا به : يوم انتصار المسلمين في بدر ويوم فتح مكة ، أي سيعلمون من الكذاب المماثل للكذاب في قصة ثمود . [ 27 - 29 ] [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 27 إلى 29 ] إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ( 27 ) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ( 28 ) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ ( 29 ) هذه الجملة بيان لجملة سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ [ القمر : 26 ] باعتبار ما تضمنته الجملة المبيّنة - بفتح الياء - من الوعيد وتقريب زمانه وإن فيه تصديق الرسول الذي كذبوه . وضمير لَهُمْ جار على مقتضى الظاهر على قراءة الجمهور سَيَعْلَمُونَ بياء الغائبة ، وإما على قراءة ابن عامر وحمزة ستعلمون بتاء الخطاب فضمير لَهُمْ التفات . وإرسال الناقة إشارة إلى قصة معجزة صالح أنه أخرج لهم ناقة من صخرة وكانت تلك المعجزة مقدّمة الأسباب التي عجل لهم العذاب لأجلها ، فذكر هذه القصة في جملة