الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

191

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

البيان توطئة وتمهيد . والإرسال مستعار لجعلها آية لصالح . وقد عرف خلق خوارق العادات لتأييد الرسل باسم الإرسال في القرآن كما قال تعالى : وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً [ الإسراء : 59 ] فشبهت الناقة بشاهد أرسله اللّه لتأييد رسوله . وهذا مؤذن بأن في هذه الناقة معجزة وقد سماها اللّه آية في قوله حكاية عنهم وعن صالح فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قالَ هذِهِ ناقَةٌ [ الشعراء : 154 ، 155 ] إلخ . و فِتْنَةً لَهُمْ حال مقدر ، أي تفتنهم فتنة هي مكابرتهم في دلالتها على صدق رسولهم ، وتقدير معنى الكلام : إنا مرسلو الناقة آية لك وفتنة لهم . وضمير لَهُمْ عائد إلى المكذبين منهم بقرينة إسناد التكذيب كما تقدم . واسم الفاعل من قوله : مُرْسِلُوا النَّاقَةِ مستعمل في الاستقبال مجازا بقرينة قوله : فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ، فعدل عن أن يقال : سنرسل ، إلى صيغة اسم الفاعل الحقيقة في الحال لتقريب زمن الاستقبال من زمن الحال . والارتقاب : الانتظار ، ارتقب مثل : رقب ، وهو أبلغ دلالة من رقب ، لزيادة المبنى فيه . وعدي الارتقاب إلى ضميرهم على تقدير مضاف يقتضيه الكلام لأنه لا يرتقب ذواتهم وإنما يرتقب أحوالا تحصل لهم . وهذه طريقة إسناد أو تعليق المشتقات التي معانيها لا تسند إلى الذوات فتكون على تقدير مضاف اختصارا في الكلام اعتمادا على ظهور المعنى . وذلك مثل إضافة التحريم والتحليل إلى الذوات في قوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [ المائدة : 3 ] . والمعنى : فارتقب ما يحصل لهم من الفتنة عند ظهور الناقة . والاصطبار : الصبر القوي ، وهو كالارتقاب أيضا أقوى دلالة من الصبر ، أي اصبر صبرا لا يعتريه ملل ولا ضجر ، أي اصبر على تكذيبهم ولا تأيس من النصر عليهم ، وحذف متعلق اصْطَبِرْ ليعم كل حال تستدعي الضجر . والتقدير : واصطبر على أذاهم وعلى ما تجده في نفسك من انتظار النصر . وجملة وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ معطوفة على جملة إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ باعتبار أن الوعد بخلق آية الناقة يقتضي كلاما محذوفا ، تقديره : فأرسلنا لهم الناقة وقلنا نبئهم أن الماء قسمة بينهم على طريقة العطف والحذف في قوله : فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ