الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

156

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أي من كلام الأنبياء قبل الإسلام . [ 57 ، 58 ] [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 57 إلى 58 ] أَزِفَتِ الْآزِفَةُ ( 57 ) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ ( 58 ) تتنزل هذه الجملة من التي قبلها منزلة البيان للإنذار الذي تضمّنه قوله : هذا نَذِيرٌ [ النجم : 56 ] . فالمعنى : هذا نذير بآزفة قربت ، وفي ذكر فعل القرب فائدة أخرى زائدة على البيان وهي أن هذا المنذر به دنا وقته ، فإنّ : أزف معناه : قرب وحقيقته القرب المكان ، واستعير لقرب الزمان لكثرة ما يعاملون الزمان معاملة المكان . والتنبيه على قرب المنذر به من كمال الإنذار للبدار بتجنب الوقوع فيما ينذر به . وجيء لفعل أَزِفَتِ بفاعل من مادة الفعل للتهويل على السامع لتذهب النفس كل مذهب ممكن في تعيين هذه المحادثة التي أزفت ، ومعلوم أنها من الأمور المكروهة لورود ذكرها عقب ذكر الإنذار . وتأنيث الْآزِفَةُ بتأويل الوقعة ، أو الحادثة كما يقال : نزلت به نازلة ، أو وقعت الواقعة ، وغشيته غاشية ، والعرب يستعملون التأنيث دلالة على المبالغة في النوع ، ولعلهم راعوا أن الأنثى مصدر كثرة النوع . والتعريف في الْآزِفَةُ تعريف الجنس ، ومنه زيادة تهويل بتمييز هذا الجنس من بين الأجناس لأن في استحضاره زيادة تهويل لأنه حقيق بالتدبر في المخلص منه نظير التعريف في الْحَمْدُ لِلَّهِ * [ الفاتحة : 2 ] ، وقولهم : أرسلها العراك . والكلام يحتمل آزفة في الدنيا من جنس ما أهلك به عاد وثمود وقوم نوح فهي استئصالهم يوم بدر ، ويحتمل آزفة وهي القيامة . وعلى التقديرين فالقرب مراد به التحقق وعدم الانقلاب منها كقوله تعالى : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ [ القمر : 1 ] وقوله : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً [ المعارج : 6 ، 7 ] . وجملة لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ مستأنفة بيانية أو صفة ل الْآزِفَةُ . و كاشِفَةٌ يجوز أن يكون مصدرا بوزن فاعلة كالعافية ، وخائنة الأعين ، وليس لوقعتها كاذبة . والمعنى ليس لها كشف . ويجوز أن يكون اسم فاعل قرن بهاء التأنيث للمبالغة مثل راوية ، وباقعة ، وداهية ،