الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
139
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
النيابة في الأعمال في ديننا معارض لمقتضى الآية ، والقائلون بأن شرع غيرنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ ، منهم من أعمل عموم الآية وتأول الأخبار المعارضة لها بالخصوصية ، ومنهم من جعلها مخصّصة للعموم ، أو ناسخة ، ومنهم من تأول ظاهر الآية بأن المراد ليس له ذلك حقيقة بحيث يعتمد على عمله ، أو تأول السعي بالنية . وتأول اللام في قوله : لِلْإِنْسانِ بمعنى ( على ) ، أي ليس عليه سيئات غيره . وفي تفسير سورة الرحمن من « الكشاف » : أن عبد اللّه بن طاهر قال للحسين بن الفضل : أشكلت عليّ ثلاث آيات . فذكر له منها قوله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى فما بال الأضعاف ، أي قوله تعالى : فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [ البقرة : 245 ] ، فقال الحسين : معناه أنه ليس له إلا ما سعى عدلا ، ولي أن أجزيه بواحدة ألفا فضلا « 1 » . [ 40 ، 41 ] [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 40 إلى 41 ] وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ( 40 ) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى ( 41 ) يجوز أن تكون عطفا على جملة أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ النجم : 38 ] فهي من تمام تفسير بِما فِي صُحُفِ مُوسى * وَإِبْراهِيمَ [ النجم : 36 ، 37 ] فيكون تغيير الأسلوب إذ جيء في هذه الآية بحرف أَنَّ المشددة لاقتضاء المقام أن يقع الإخبار عن سعي الإنسان بأنه يعلن به يوم القيامة ( وذلك من توابع أن ليس به إلّا ما سعى ) ، فلما كان لفظ سَعْيَهُ صالحا للوقوع اسما لحرف أَنَّ زال مقتضي اجتلاب ضمير الشأن فزال مقتضي ( أن ) المخففة . وقد يكون مضمون هذه الجملة في شريعة إبراهيم ما حكاه اللّه عنه من قوله : وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ [ الشعراء : 87 ] . ويجوز أن لا يكون قوله مضمون قوله : وَأَنَّ سَعْيَهُ مشمولا لما في صحف موسى وإبراهيم فعطفه على ( ما ) الموصولة من قوله : بِما فِي صُحُفِ مُوسى * وَإِبْراهِيمَ [ النجم : 36 ، 37 ] ، عطف المفرد على المفرد فيكون معمولا لباء الجر في قوله : فِي صُحُفِ مُوسى إلخ ، والتقدير : لم ينبأ بأن سعي الإنسان سوف يرى ، أي لا بد أن يرى ، أي يجازى عليه ، أي لم ينبأ بهذه الحقيقة الدينية وعليه فلا نتطلب ثبوت مضمون هذه الجملة في شريعة إبراهيم عليه السلام . و سَوْفَ حرف استقبال والأكثر أن يراد به المستقبل البعيد .
--> ( 1 ) انظر ما يأتي عند قوله تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ في سورة الرحمن [ 29 ] .