الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
140
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ومعنى يُرى يشاهد عند الحساب كما في قوله تعالى : وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً [ الكهف : 49 ] ، فيجوز أن تجسم الأعمال فتصير مشاهدة وأمور الآخرة مخالفة لمعتاد أمور الدنيا . ويجوز أن تجعل علامات على الأعمال يعلن بها عنها كما في قوله تعالى : نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ [ التحريم : 8 ] . وما في الحديث « ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة فيقال : هذه غدرة فلان » فيقدر مضاف تقديره : وأن عنوان سعيه سوف يرى . ويجوز أن يكون ذلك بإشهار العمل والسعي كما في قوله تعالى : أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ [ الأعراف : 49 ] الآية ، وكما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من سمع بأخيه فيما يكره سمع اللّه به سامع خلقه يوم القيامة » ، فتكون الرؤية مستعارة للعلم لقصد تحقق العلم واشتهاره . وحكمة ذلك تشريف المحسنين بحسن السمعة وانكسار المسيئين بسوء الأحدوثة . وقوله : ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى هو المقصود من الجملة . و ثُمَّ للتراخي الرتبي لأن حصول الجزاء أهم من إظهاره أو إظهار المجزي عنه . وضمير النصب في قوله : يُجْزاهُ عائد إلى السعي ، أي يجزى عليه ، أو يجزى به فحذف حرف الجر ونصب على نزع الخافض فقد كثر أن يقال : جزاه عمله ، وأصله : جزاه على عمله أو جزاه بعمله . والأوفى : اسم تفضيل من الوفاء وهو التمام والكمال ، والتفضيل مستعمل هنا في القوة ، وليس المراد تفضيله على غيره . والمعنى : أن الجزاء على الفعل من حسن أو سيئ موافق للمجزيّ عليه ، قال تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [ النساء : 173 ] وقال : وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ [ هود : 109 ] وقال : وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ [ النور : 39 ] وقال : فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً [ الإسراء : 63 ] . وانتصب الْجَزاءَ الْأَوْفى على المفعول المطلق المبين للنوع . وقد حكى اللّه عن إبراهيم وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ [ الشعراء : 87 ] . [ 42 ] [ سورة النجم ( 53 ) : آية 42 ] وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ( 42 )