الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

138

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ينهض وعن الميت أنه يحج عنه ابنه وإن لم يوص به » . وقال الأبيّ في « شرح مسلم » : « ذكر أن الشيخ ابن عرفة عام حجّ اشترى حجة للسلطان أبي العباس الحفصي على مذهب المخالف » ، أي خلافا لمذهب مالك . وأما الصلاة والصيام ، فسئل مالك عن الحج عن الميت فقال : « أما الصلاة والصيام والحج عنه فلا نرى ذلك » . وقال في « المدونة » : « يتطوع عنه بغير هذا أحب إليّ : يهدى عنه ، أو يتصدق عنه ، أو يعتق عنه » . قال الباجي : « ففصل بينها وبين النفقات » . وقال الشافعي في أحد قوله : لا يصله ثواب الصلوات التطوع وسائر التطوعات . قال صاحب « التوضيح » من الشافعية : « وعندنا يجوز الاستنابة في حجة التطوع على أصح القولين » ، وقال أحمد : « يصله ثواب الصلوات وسائر التطوعات » . والمشهور من مذهب الشافعي : أن قراءة القرآن وإهداء ثوابها للميت لا يصله ثوابها ، وقال أحمد بن حنبل وكثير من أصحاب الشافعي : يصله ثوابها . وحكى ابن الفرس عن مذهب مالك : أن من قرأ ووهب ثواب قراءته لميت جاز ذلك ووصل للميت أجره ونفعه فما ينسب إلى مالك من عدم جواز إهداء ثواب القراءة في كتب المخالفين غير محرر . وقد ورد في حديث عائشة قالت : « كان رسول اللّه يعوّذ نفسه بالمعوذات فلما ثقل به المرض كنت أنا أعوذه بهما وأضع يده على جسده رجاء بركتها » فهل قراءة المعوذتين إلا نيابة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما كان يفعله بنفسه ، فإذا صحت النيابة في التعوذ والتبرك بالقرآن فلما ذا لا تصح في ثواب القراءة . واعلم أن هذا كله في تطوع أحد عن أحد بقربة ، وأما الاستئجار على النيابة في القرب : فأما الحج فقد ذكروا فيه جواز الاستئجار بوصية ، أو بغيرها ، لأن الإنفاق من مقومات الحج ، ويظهر أن كل عبادة لا يجوز أخذ فاعلها أجرة على فعلها كالصلاة والصوم لا يصح الاستئجار على الاستنابة فيها ، وأن القرب التي يصح أخذ الأجر عليها يصح الاستئجار على النيابة فيها مثل قراءة القرآن ، فقد أقر النبي صلى اللّه عليه وسلم فعل الذين أخذوا أجرا على رقية الملدوغ بفاتحة الكتاب . وإذا علمت هذا كله فقوله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى هو حكم كان في شريعة سالفة ، فالقائلون بأنه لا ينسحب علينا لم يكن فيما ورد من الأخبار بصحة