الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
117
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الرعاية للفاصلة . [ 26 ] [ سورة النجم ( 53 ) : آية 26 ] وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى ( 26 ) لما بين اللّه أن أمور الدارين بيد اللّه تعالى وأن ليس للإنسان ما تمنّى ، ضرب لذلك مثالا من الأماني التي هي أعظم أمانيّ المشركين وهي قولهم في الأصنام ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] ، وقولهم : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [ يونس : 18 ] ، فبيّن إبطال قولهم بطريق فحوى الخطاب وهو أن الملائكة الذين لهم شرف المنزلة لأن الملائكة من سكان السماوات ( فهم لا يستطيعون إنكار أنهم أشرف من الأصنام ) لا يملكون الشفاعة إلا إذا أذن اللّه أن يشفع إذا شاء أن يقبل الشفاعة في المشفوع له ، فكيف يكون للمشركين ما تمنوا من شفاعة الأصنام للمشركين الذين يقولون هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ وهي حجارة في الأرض وليست ملائكة في السماوات ، فثبت أن لا شفاعة إلا لمن شاء اللّه ، وقد نفي اللّه شفاعة الأصنام فبطل اعتقاد المشركين أنهم شفعاؤهم ، فهذه مناسبة عطف هذه الجملة على جملة أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى [ النجم : 24 ] . وليس هذا الانتقال اقتضابا لبيان عظم أمر الشفاعة . و كَمْ اسم يدل على كثرة العدد وهو مبتدأ والخبر لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ . وقد تقدم الكلام على كَمْ في قوله تعالى : سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ في سورة البقرة [ 211 ] ، وقوله : وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها في الأعراف [ 4 ] . و فِي السَّماواتِ صفة ل مَلَكٍ . والمقصود منها بيان شرفهم بشرف العالم الذي هم أهله ، وهو عالم الفضائل ومنازل الأسرار . وجملة لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ إلخ ، خبر عن كَمْ ، أي لا تغني شفاعة أحدهم فهو عام لوقوع الفعل في سياق النفي ، ولإضافة شفاعة إلى ضميرهم ، أي جميع الملائكة على كثرتهم وعلوّ مقدارهم لا تغني شفاعة واحد منهم . و شَيْئاً مفعول مطلق للتعميم ، أي شيئا من الإغناء لزيادة التنصيص على عموم نفي إغناء شفاعتهم .