الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
118
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ولما كان ظاهر قوله : لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ يوهم أنهم قد يشفعون فلا تقبل شفاعتهم ، وليس ذلك مرادا لأن المراد أنهم لا يجرءون على الشفاعة عند اللّه فلذلك عقب بالاستثناء بقوله : إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى ، وذلك ما اقتضاه قوله : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] وقوله : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ البقرة : 225 ] أي إلا من بعد أن يأذن اللّه لأحدهم في الشفاعة ويرضى بقبولها في المشفوع له . فالمراد ب لِمَنْ يَشاءُ من يشاؤه اللّه منهم ، أي فإذا أذن لأحدهم قبلت شفاعته . واللام في قوله : لِمَنْ يَشاءُ هي اللام التي تدخل بعد مادة الشفاعة على المشفوع له فهي متعلقة بشفاعتهم على حد قوله تعالى : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ، وليست اللام متعلقة ب يَأْذَنَ اللَّهُ . ومفعول يَأْذَنَ محذوف دل عليه قوله : لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ ، وتقديره : أن يأذنهم اللّه . ويجوز أن تكون اللام لتعدية يَأْذَنَ إذا أريد به معنى يستمع ، أي أن يظهر لمن يشاء منهم أنه يقبل منه . ومعنى ذلك أن الملائكة لا يزالون يتقربون بطلب إلحاق المؤمنين بالمراتب العليا كما دل عليه قوله تعالى : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [ غافر : 7 ] وقوله : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ [ الشورى : 5 ] فإن الاستغفار دعاء والشفاعة توجه أعلى ، فالملائكة يعلمون إذا أراد اللّه استجابة دعوتهم في بعض المؤمنين أذن لأحدهم أن يشفع له عند اللّه فيشفع فتقبل شفاعته ، فهذا تقريب كيفية الشفاعة . ونظيره ما ورد في حديث شفاعة محمد صلى اللّه عليه وسلم في موقف الحشر . وعطف وَيَرْضى على لِمَنْ يَشاءُ للإشارة إلى أن إذن اللّه بالشفاعة يجري على حسب إرادته إذا كان المشفوع له أهلا لأن يشفع له . وفي هذا الإبهام تحريض للمؤمنين أن يجتهدوا في التعرض لرضى اللّه عنهم ليكونوا أهلا للعفو عما فرطوا فيه من الأعمال . [ 27 ، 28 ] [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 27 إلى 28 ] إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى ( 27 ) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ( 28 ) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى ( 27 ) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ . اعتراض واستطراد لمناسبة ذكر الملائكة وتبعا لما ذكر آنفا من جعل المشركين اللّات والعزى ومناة بنات للّه بقوله : أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى إلى قوله : أَ لَكُمُ الذَّكَرُ