الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
91
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
في قوله : مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ في سورة آل عمران [ 7 ] ، أي لا تحتمل آيات تلك السورة المتعلّقة بالقتال إلا وجوب القتال وعدم الهوادة فيه مثل قوله : فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ [ محمد : 4 ] الآيات ، فلا جرم أن هذه السورة هي التي نزلت إجابة عن تمنّي الذين آمنوا . وإنما قال : وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ لأن السورة ليست كلها متمحضة لذكر القتال فإن سور القرآن ذوات أغراض شتّى . والخطاب في رَأَيْتَ للنبي صلى اللّه عليه وسلّم لأنه لا حقّ لقوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ * [ الأنعام : 25 ] . و الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هم المبطنون للكفر فجعل الكفر الخفيّ كالمرض الذي مقره القلب لا يبدو منه شيء على ظاهر الجسد ، أي رأيت المنافقين على طريق الاستعارة . وقد غلب إطلاق هذه الصلة على المنافقين ، وأن النفاق مرض نفساني معضل لأنه تتفرع منه فروع بيناها في قوله تعالى : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ في سورة البقرة [ 10 ] . وانتصب نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ على المفعولية المطلقة لبيان صفة النظر من قوله : يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ فهو على معنى التشبيه البليغ . ووجه الشبه ثبات الحدقة وعدم التحريك ، أي ينظرون إليك نظر المتحيّر بحيث يتجه إلى صوب واحد ولا يشتغل بالمرئيات لأنه في شاغل عن النظر ، وإنما يوجهون أنظارهم إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم إذ كانوا بمجلسه حين نزول السورة ، وكانوا يتظاهرون بالإقبال على تلقي ما ينطق به من الوحي فلما سمعوا ذكر القتال بهتوا ، فالمقصود المشابهة في هذه الصورة . وفي معنى هذه الآية قوله تعالى : فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ في سورة الأحزاب [ 19 ] . و مِنَ هنا تعليلية ، أي المغشي عليه لأجل الموت ، أي حضور الموت . وفرّع على هذا قوله : فَأَوْلى لَهُمْ * طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ . وهذا التفريع اعتراض بين جملة يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ وبين جملة فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ . ولفظ أولى هنا يجوز أن يكون مستعملا في ظاهره استعمال التفضيل على شيء غير مذكور يدل عليه ما قبله ، أي أولى لهم من ذلك الخوف الذي دل عليه نظرهم كالمغشي عليه من الموت ، أن يطيعوا أمر اللّه ويقولوا قولا معروفا وهو قول سَمِعْنا وَأَطَعْنا [ البقرة : 285 ] فذلك القول المعروف بين المؤمنين إذا دعوا أو أمروا كما قال