الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

92

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تعالى : إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا في سورة النور [ 51 ] . وعلى هذا الوجه فتعدية فَأَوْلى باللام دون الباء للدلالة على أن ذلك أولى وأنفع ، فكان اجتلاب اللام للدلالة على معنى النفع . فهو مثل قوله تعالى : ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ [ النور : 30 ] وقوله : هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ [ هود : 78 ] . وهو يرتبط بقوله بعده فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ . ويجوز أن يكون فَأَوْلى لَهُمْ مستعملا في التهديد والوعيد كما في قوله تعالى : أَوْلى لَكَ فَأَوْلى * ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى في سورة القيامة [ 34 ، 35 ] ، وهو الذي اقتصر الزمخشري عليه . ومعناه : أن اللّه أخبر عن توعده إياهم . ثم قيل على هذا الوجه إن أولى مرتبة حروفه على حالها من الولي وهو القرب ، وأن وزنه أفعل . وقال الجرجاني : هو في هذا الاستعمال مشتق من الويل . فأصل أولى : أويل ، أي أشد ويلا ، فوقع فيه قلب ، ووزنه أفلع . وفي « الصحاح » عن الأصمعي ما يقتضي : أنه يجعل ( أولى له ) مبتدأ محذوف الخبر . والتّقدير : أقرب ما يهلكه ، قال ثعلب : ولم يقل أحد في ( أولى له ) أحسن مما قال الأصمعي . واللام على هذا الوجه إما مزيدة ، أي أولاهم اللّه ما يكرهون فيكون مثل اللام في قول النابغة : سقيا ورعيا لذاك العاتب الزّاري وإمّا متعلقة بأولى على أنه فعل مضى ، وعلى هذا الاستعمال يكون قوله طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ كلاما مستأنفا وهو مبتدأ خبره محذوف ، أي طاعة وقول معروف خير لهم ، أو خبر لمبتدأ محذوف ، تقديره : الأمر طاعة ، وقول معروف ، أي أمر اللّه أن يطيعوا . فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ . تفريع على وصف حال المنافقين من الهلع عند سماع ذكر القتال فإنه إذا جدّ أمر القتال ، أي حان أن يندب المسلمون إلى القتال سيضطرب أمر المنافقين ويتسللون لواذا من حضور الجهاد ، وأن الأولى لهم حينئذ أن يخلصوا الإيمان ويجاهدوا كما يجاهد المسلمون الخلص وإلّا فإنهم لا محيص لهم من أحد أمرين : إمّا حضور القتال بدون نية