الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
82
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والأشربة والملامس البدنية ، فوصف خمر هنا بأنها لَذَّةٍ معناه يجد شاربها لذاذة في طعمها ، أي بخلاف خمر الدنيا فإنها حريقة الطعم فلو لا ترقب ما تفعله في الشارب من نشوة وطرب لما شربها لحموضة طعمها . والعسل المصفى : الذي خلّص مما يخالط العسل من بقايا الشمع وبقايا أعضاء النحل التي قد تموت فيه ، وتقدم الكلام على العسل وتربيته في سورة النحل . ومعنى مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أصناف من جميع أجناس الثمرات ، فالتعريف في الثَّمَراتِ للجنس ، و كُلِّ مستعملة في حقيقتها وهو الإحاطة ، أي جميع ما خلق اللّه من الثمرات مما علموه في الدنيا وما لم يعلموه مما خلقه اللّه للجنة . و مِنْ تبعيضية ، وهذا كقوله تعالى : فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ [ الرحمن : 52 ] . و مَغْفِرَةٌ عطف على أَنْهارٌ وما بعده ، أي وفيها مغفرة لهم ، أي تجاوز عنهم ، أي إطلاق في أعمالهم لا تكليف عليهم كمغفرته لأهل بدر إذ بينت بأن يعملوا ما شاءوا في الحديث « لعل اللّه اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » وقد تكون المغفرة كناية عن الرضوان عليهم كما قال تعالى : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [ التوبة : 72 ] . وتقدير المضاف في مثله ظاهر للقرينة . وقوله : وَسُقُوا ماءً حَمِيماً جيء به لمقابلة ما وصف من حال أهل الجنة الذي في قوله : فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ إلى قوله : مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ، أي أن أهل النار محرومون من جميع ما ذكر من المشروبات . وليسوا بذائقين إلا الماء الحميم الذي يقطع أمعاءهم بفور سقيه . ولذلك لم يعرج هنا على طعام أهل النار الذي ذكر في قوله تعالى : لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ [ الواقعة : 52 - 54 ] وقوله : أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ [ الصافات : 62 ] إلى قوله : فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ [ الصافات : 66 - 67 ] . وضمير سُقُوا راجع إلى كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ باعتبار معنى ( من ) وهو الفريق من الكافرين بعد أن أعيد عليه ضمير المفرد في قوله : هُوَ خالِدٌ . والأمعاء : جمع معي مقصورا وبفتح الميم وكسرها ، وهو ما ينتقل الطعام إليه بعد نزوله من المعدة . ويسمى عفج بوزن كتف .