الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
83
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 16 ] [ سورة محمد ( 47 ) : آية 16 ] وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ( 16 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً . ضمير وَمِنْهُمْ عائد إلى الَّذِينَ كَفَرُوا [ محمد : 12 ] الذين جرى ذكرهم غير مرة من أول السورة ، أي ومن الكافرين قوم يستمعون إليك ، وأراد بمن يستمع معهم المنافقين بقرينة قوله : قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ وقوله : خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ . وليس المراد مجرد المستمعين مثل ما في قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ [ يونس : 42 ] وقوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً [ الأنعام : 25 ] للفرق الواضح بين الأسلوبين ، وهذا صنف آخر من الكافرين الذين أسرّوا الكفر وتظاهروا بالإيمان ، وقد كان المنافقون بعد الهجرة مقصودين من لفظ الكفار . وهذه السورة نازلة بقرب عهد من الهجرة فلذلك ذكر فيها الفريقان من الكفار . ومعنى يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ : يحضرون مجلسك ويسمعون كلامك وما تقرأ عليهم من القرآن . وهذه صفة من يتظاهر بالإسلام فلا يعرضون عن سماع القرآن إعراض المشركين بمكة . روي عن الكلبي ومقاتل : أنها نزلت في عبد اللّه بن أبي بن سلول ورفاعة بن التابوت والحارث بن عمرو وزيد بن الصلت ومالك بن الدخشم « 1 » . والاستماع : أشد السمع وأقواه ، أي يستمعون باهتمام يظهرون أنهم حريصون على وعي ما يقوله الرسول صلى اللّه عليه وسلّم وأنهم يلقون إليه بالهم ، وهذا من استعمال الفعل في معنى إظهاره لا في معنى حصوله . وحق فعل استمع أن يعدّى إلى المفعول بنفسه كما في قوله : يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [ الأحقاف : 29 ] فإذا أريد تعلقه بالشخص المسموع منه يقال : استمع إلى فلان كما قال هنا وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ، وكذا جاء في مواقعه كلها من القرآن . و حَتَّى في قوله : حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ ابتدائية و إِذا اسم زمان متعلق ب قالُوا . والمعنى : فإذا خرجوا من عندك قالوا إلخ .
--> ( 1 ) أي في أول المدة من الهجرة ثم حسن إسلام مالك بن الدخشم وشهد بدرا وشهد له النبي صلى اللّه عليه وسلّم بإخلاص إسلامه كما في حديث عتاب بن مالك في « صحيح البخاري » .