الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
343
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 57 ) . عطف على وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ وهذا تذكير بنعمة السلامة مما ارتبك فيه غيرهم . وذلك مما يحمد اللّه عليه كما ورد أن من آداب من يرى غيره في شدة أو بأس أن يقول : الحمد للّه الذي عافاني مما هو فيه . وضمير وَقاهُمْ عائد إلى ضمير المتكلم في وَزَوَّجْناهُمْ على طريقة الالتفات . و فَضْلًا حال من المذكورات . والخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلّم . وذكر الرب إظهار في مقام الإضمار ومقتضى الظاهر أن يقال : فضلا منه أو منا . ونكتة هذا الإظهار تشريف مقام النبي صلى اللّه عليه وسلّم والإيماء إلى أن ذلك إكرام له لإيمانهم به . وجملة ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ تذييل ، والإشارة في ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لتعظيم الفضل ببعد المرتبة . وأتي بضمير الفصل لتخصيص الفوز بالفضل المشار إليه وهو قصر لإفادة معنى الكمال كأنه لا فوز غيره . [ 58 ، 59 ] [ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 58 إلى 59 ] فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 58 ) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ ( 59 ) الفاء للتفريع إشارة إلى أن ما بعدها متفرّع عما قبلها حيث كان المذكور بعد الفاء فذلكة للسورة ، أي إجمال لأغراضها بعد تفصيلها فيما مضى إحضارا لتلك الأغراض وضبطا لترتّب علتها . وضمير يَسَّرْناهُ عائد إلى الكتاب المفهوم من المقام والمذكور في قوله وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [ الدخان : 2 ، 3 ] إلخ ، والذي كان جلّ غرض السورة في إثبات إنزاله من اللّه كما أشار إليه افتتاحها بالحروف المقطعة ، وقوله : وَالْكِتابِ الْمُبِينِ ، فهذا التفريع مرتبط بذلك الافتتاح وهو من ردّ العجز على الصدر . فهذا التفريع تفريع لمعنى الحصر الذي في قوله : فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لبيان الحكمة في إنزال القرآن باللسان العربي فيكون تفريعا على ما تقدم في السورة وما تخلله وتبعه من المواعظ . ويجوز أن يكون المفرع قوله : لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . وقدم عليه ما هو توطئة له اهتماما بالمقدم وتقدير النظم فلعلهم يتذكّرون بهذا لما يسّرناه لهم بلسانهم . والقصر المستفاد من ( إنما ) قصر قلب وهو رد على المشركين إذ قد سهّل لهم طريق