الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

344

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فهمه بفصاحته وبلاغته فقابلوه بالشك والهزء كما قصه اللّه في أول السورة بقوله : بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ [ الدخان : 9 ] أي إنا جعلنا فهمه يسيرا بسبب اللغة العربية الفصحى وهي لغتهم إلا ليتذكروا فلم يتذكروا . فمفعول يَسَّرْناهُ مضاف مقدر دل عليه السياق تقديره : فهمه . والباء في بِلِسانِكَ للسببية ، أي بسبب لغتك ، أي العربية وفي إضافة اللسان إلى ضمير النبي صلى اللّه عليه وسلّم عناية بجانبه وتعظيم له ، وإلا فاللسان لسان العرب كما قال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [ إبراهيم : 4 ] . وإطلاق اللسان وهو اسم الجارحة المعروفة في الفم على اللّغة مجاز شائع لأن أهم ما يستعمل فيه اللسان الكلام قال تعالى : بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [ الشعراء : 195 ] . وأفصح قوله لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ عن الأمر بالتذكير بالقرآن . والتقدير : فذكّرهم به ولا تسأم لعنادهم فيه ودم على ذلك حتى يحصل التذكر ، فالتيسير هنا تسهيل الفهم ، وتقدم عند قوله تعالى : فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ إلخ في سورة مريم [ 97 ] . و ( لعلّ ) مستعملة في التعليل ، أي لأجل أن يتذكّروا به ، وهذا كقوله : وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لتنذر الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ [ الأحقاف : 12 ] . وفي هذا الكلام الموجز إخبار بتيسير القرآن للفهم لأن الغرض منه التذكر ، قال تعالى : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * [ القمر : 17 ] ، وبأن سبب ذلك التيسير كونه بأفصح اللغات وكونه على لسان أفضل الرسل صلى اللّه عليه وسلّم فلذلك كان تسببه في حصول تذكرهم تسببا قريبا لو لم يكونوا في شك يلعبون . وباعتبار هذه المعاني المتوافرة حسن أن يفرع على هذه الجملة تأييد النبي صلى اللّه عليه وسلّم وتهديد معانديه بقوله : فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ أي فارتقب النصر الذي سألته بأن تعان عليهم بسنين كسنين يوسف فإنهم مرتقبون ذلك وأشد منه وهو البطشة الكبرى . وإطلاق الارتقاب على حال المعاندين استعارة تهكمية لأن المعنى أنهم لاقون ذلك لا محالة وقد حسنها اعتبار المشاكلة بين ( ارتقب ) و مُرْتَقِبُونَ . وجملة إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ تعليل للأمر في قوله فَارْتَقِبْ أي ارتقب النصر بأنهم لاقوا العذاب بالقحط وقد أغنت ( إنّ ) التّسبب والتعليل . وفي هذه الخاتمة ردّ العجز على الصدر إذ كان صدر السورة فيه ذكر إنزال الكتاب