الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
342
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الدّنيا ما يخالط بعضه من أحوال تجرّ إلى فساد منهي عنه مثل ارتكاب المحرم شرعا ومثل الاعتداء على المرأة قسرا ، ومن مصطلحات متكلفة ، وقد سمى اللّه سكونا فقال : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [ الروم : 21 ] . والحور : جمع الحوراء ، وهي البيضاء ، أي بنساء بضيضات الجلد . والعين : جمع العيناء ، وهي واسعة العين ، وتقدم في سورة الصافات . وشمل الحور العين النساء اللاء كنّ أزواجهن في الدنيا ، ونساء يخلقهن اللّه لأجل الجنة قال تعالى : إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً [ الواقعة : 35 ] وقال تعالى : هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ [ يس : 56 ] . ومعنى يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ أي هم يأمرون بأن تحضر لهم الفاكهة ، أي فيجابون . والدعاء نوع من الأمر أي يأذنون بكل فاكهة ، أي بإحضار كل فاكهة . وكل هنا مستعملة في الكثرة الشديدة لكل واحد منهم ويجوز أن تكون بمعنى الإحاطة ، أي بكل صنف من أصناف الفاكهة . والفاكهة : ما يتفكه به ، أي يتلذذ بطعمه من الثمار ونحوها . وجملة يَدْعُونَ حال من الْمُتَّقِينَ [ الدخان : 51 ] ، و آمِنِينَ حال من ضمير يَدْعُونَ . والمراد هنا أمن خاص غير الذي في قوله : فِي مَقامٍ أَمِينٍ [ الدخان : 51 ] وهو الأمن من الغوائل والآلام من تلك الفواكه على خلاف حال الإكثار من الطعام في الدنيا كقوله في خمر الجنة لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ [ الصافات : 47 ] ، أو آمنين من نفاد ذلك وانقطاعه . وجملة لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى حال أخرى . وهذه بشارة بخلود النعمة لأن الموت يقطع ما كان في الحياة من النعيم لأصحاب النعيم كما كان الإعلام بأن أهل الشرك لا يموتون نذارة بدوام العذاب . والاستثناء في قوله : إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى من تأكيد الشيء بما يشبه ضده لزيادة تحقيق انتفاء ذوق الموت عن أجل الجنة فكأنه قيل لا يذوقون الموت البتة وقرينة ذلك وصفها ب الْأُولى . والمراد ب الْأُولى السالفة ، كما تقدم آنفا في قوله : إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى [ الدخان : 35 ] .