الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

341

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مطلقا ثم خص بغليظ الديباج ، ثم عرب . وتقدما في قوله يَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ في سورة الكهف [ 31 ] فارجع إليه . و مِنْ لبيان الجنس ، والمبيّن محذوف دل عليه يَلْبَسُونَ . والتقدير : ثيابا من سندس وإستبرق . ثم وصف نعيم نفوسهم بعضهم مع بعض في مجالسهم ومحادثاتهم بقوله : مُتَقابِلِينَ لأن الحديث مع الأصحاب والأحبّة نعيم للنّفس فأغنى قوله : مُتَقابِلِينَ عن ذكر اجتماعهم وتحابهم وحديث بعضهم مع بعض وأن ذلك شأنهم أجمعين بأن ذكر ما يستلزم ذلك وهو صيغة متقابلين ومادته على وجه الإيجاز البديع . [ 54 - 57 ] [ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 54 إلى 57 ] كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ( 54 ) يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ ( 55 ) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ( 56 ) فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 57 ) كَذلِكَ . اعتراض وقد تقدم بيان معناه عن قوله تعالى : كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً في سورة الكهف [ 91 ] . وتقدم نظيره آنفا في هذه السورة . وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ ( 55 ) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى . معنى زَوَّجْناهُمْ جعلناهم أزواجا جمع زوج ضد الفرد ، أي جعلنا كل فرد من المتقين زوجا بسبب نساء حور العيون . والزوج هنا كناية عن القرين ، أي قرنّا بكل واحد نساء حورا عينا ، وليس فعل زَوَّجْناهُمْ هنا مشتقا من الزوج الشائع إطلاقه على امرأة الرجل وعلى رجل المرأة لأن ذلك الفعل يتعدى بنفسه يقال : زوجه ابنته وتزوج بنت فلان ، قال تعالى : زَوَّجْناكَها [ الأحزاب : 37 ] ، وليس ذلك بمراد هنا إذ لا طائل تحته ، إذ ليس في الجنة عقود نكاح ، وإنما المراد أنهم مأنوسون بصحبة حبائب من النساء كما أنسوا بصحبة الأصحاب والأحبة من الرجال استكمالا لمتعارف الأنس بين الناس . وفي كلا الأنسين نعيم نفساني منجرّ للنفس من النعيم الجثماني ، وهذا معنى سام من معاني الانبساط الروحي وإنما أفسد بعضه في