الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

296

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 81 ، 82 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 81 إلى 82 ] قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ ( 81 ) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 82 ) لما جرى ذكر الذين ظلموا بادعاء بنوة الملائكة في قوله : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ [ الزخرف : 65 ] عقب قوله : وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا [ الزخرف : 57 ] ، وعقب قوله قبله وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عند الرَّحْمنِ إِناثاً [ الزخرف : 19 ] . وأعقب بما ينتظرهم من أهوال القيامة وما أعد للذين انخلعوا عن الإشراك بالإيمان ، أمر اللّه رسوله أن ينتقل من مقام التحذير والتهديد إلى مقام الاحتجاج على انتفاء أن يكون للّه ولد ، جمعا بين الرد على بعض المشركين الذين عبدوا الملائكة ، والذين زعموا أن بعض أصنامهم بنات اللّه مثل اللات والعزّى ، فأمره بقوله : قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ أي قل لهم جدلا وإفحاما ، ولقّنه كلاما يدل على أنه ما كان يعزب عنه أن اللّه ليس له ولد ولا يخطر بباله أن للّه ابنا . والذين يقول لهم هذا المقول هم المشركون الزاعمون ذلك فهذا غرض الآية على الإجمال لأنها افتتحت بقوله : قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ مع علم السامعين أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لا يروج عنده ذلك . ونظم الآية دقيق ومعضل ، وتحته معان جمّة : وأولها وأولاها : أنه لو يعلم أن للّه أبناء لكان أول من يعبدهم ، أي أحق منكم بأن أعبدهم ، أي لأنه ليس أقل فهما من أن يعلم شيئا ابنا للّه ولا يعترف لذلك بالإلهية لأن ابن اللّه يكون منسلا من ذات إلهية فلا يكون إلا إلها وأنا أعلم أن الإله يستحق العبادة ، فالدليل مركب من ملازمة شرطية ، والشرط فرضيّ ، والملازمة بين الجواب والشرط مبنية على أن المتكلم عاقل داع إلى الحق والنجاة فلا يرضى لنفسه ما يورطه ، وأيضا لا يرضى لهم إلا ما رضيه لنفسه ، وهذا منتهى النصح لهم ، وبه يتمّ الاستدلال ويفيد أنه ثابت القدم في توحيد الإله . ونفي التعدد بنفي أخص أحوال التعدد وهو التعدد بالأبوة والبنوة كتعدد العائلة ، وهو أصل التعدد فينتفي أيضا تعدد الآلهة الأجانب بدلالة الفحوى . ونظيره قول سعيد بن جبير للحجاج . وقد قال له الحجاج حين أراد أن يقتله : لأبدّلنّك بالدنيا نارا تلظّى فقال سعيد : لو عرفت أن ذلك إليك ما عبدت إلها غيرك ، فنبهه إلى خطئه بأن إدخال النار من خصائص اللّه تعالى .