الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
297
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والحاصل أن هذا الاستدلال مركب من قضية شرطية أول جزأيها وهو المقدم باطل ، وثانيهما وهو التالي باطل أيضا ، لأن بطلان التالي لازم لبطلان المقدّم ، كقولك : إن كانت الخمسة زوجا فهي منقسمة بمتساويين ، والاستدلال هنا ببطلان التالي على بطلان المقدم لأن كون النبي صلى اللّه عليه وسلّم عابدا لمزعوم بنوته للّه أمر منتف بالمشاهدة فإنه لم يزل ناهيا إياهم عن ذلك . وهذا على وزان الاستدلال في قوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] ، إلا أن تلك جعل شرطها بأداة صريحة في الامتناع ، وهذه جعل شرطها بأداة غير صريحة في الامتناع . والنكتة في العدول عن الأداة الصريحة في الامتناع هنا إيهامهم في بادئ الأمر أن فرض الولد للّه محل نظر ، وليتأتى أن يكون نظم الكلام موجها حتى إذا تأملوه وجدوه ينفي أن يكون للّه ولد بطريق المذهب الكلامي . ويدل لهذا ما رواه في « الكشاف » أن النضر بن عبد الدار بن قصي قال : إن الملائكة بنات اللّه فنزل قوله تعالى : قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ . فقال النضر : ألا ترون أنه قد صدّقني ، فقال له الوليد بن المغيرة : ما صدّقك ولكن قال : ما كان للرحمن ولد فأنا أول الموحدين من أهل مكة . وروي مجمل هذا المعنى عن السدّي فكان في نظم الآية على هذا النظم إيجاز بديع ، وإطماع للخصوم بما إن تأملوه استبان وجه الحق فإن أعرضوا بعد ذلك عد إعراضهم نكوصا . وتحتمل الآية وجوها أخر من المعاني . منها : أن يكون المعنى إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين للّه ، أي فأنا أول المؤمنين بتكذيبكم ، قاله مجاهد ، أي بقرينة تذييله بجملة سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية . ومنها ، أن يكون حرف إِنْ للنفي دون الشرط ، والمعنى : ما كان للرحمن ولد فتفرع عليه : أنا أول العابدين للّه ، أي أتنزه عن إثبات الشريك له ، وهذا عن ابن عباس وقتادة وزيد بن أسلم وابنه . ومنها : تأويل الْعابِدِينَ أنه اسم فاعل من عبد يعبد من باب فرح ، أي أنف وغضب ، قاله الكسائي ، وطعن فيه نفطويه بأنه إنما يقال في اسم فاعل عبد يعبد عبد وقلما يقولون : عابد والقرآن لا يأتي بالقليل من اللّغة . وقرأ الجمهور وَلَدٌ بفتح الواو وفتح اللام . وقرأه حمزة والكسائي وَلَدٌ بضم الواو وسكون اللام جمع ولد . وجملة سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ، يجوز أن تكون تكملة لما أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلّم بأن يقوله ، أي قل : إن كان للرحمن ولد على الفرض ،