الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

25

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ الإشارة إلى المذكور من قوله : وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها [ فصلت : 10 ] إلى قوله : وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً . والتقدير : وضع الشيء على مقدار معيّن ، وتقدم نظيره في سورة يس . وتقدم وجه إيثار وصفي الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ بالذكر . [ 13 ، 14 ] [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 13 إلى 14 ] فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ ( 13 ) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ( 14 ) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ ( 13 ) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ . بعد أن قرعتهم الحجة التي لا تترك للشك مسربا إلى النفوس بعدها في أن اللّه منفرد بالإلهية لأنه منفرد بإيجاد العوالم كلها . وكان ثبوت الوحدانية من شأنه أن يزيل الريبة في أن القرآن منزّل من عند اللّه لأنهم ما كفروا به إلا لأجل إعلانه بنفي الشريك عن اللّه تعالى ، فلما استبان ذلك كان الشأن أن يفيئوا إلى تصديق الرسول والإيمان بالقرآن ، وأن يقلعوا عن إعراضهم المحكي عنهم بقوله في أول السورة فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [ فصلت : 4 ] إلخ ، فلذلك جعل استمرارهم على الإعراض بعد تلك الحجج أمرا مفروضا كما يفرض المحال ، فجيء في جانبه بحرف ( إن ) الذي الأصل فيه أن يقع في الموقع الذي لا جزم فيه بحصول الشرط كقوله تعالى : أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ [ الزخرف : 5 ] في قراءة من قرأ بكسر همزة ( إن ) . فمعنى فَإِنْ أَعْرَضُوا إن استمروا على إعراضهم بعد ما هديتهم بالدلائل البينة وكابروا فيها ، فالفعل مستعمل في معنى الاستمرار كقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [ النساء : 136 ] . والإنذار : التخويف ، وهو هنا تخويف بتوقع عقاب مثل عقاب الذين شابهوهم في الإعراض خشية أن يحلّ بهم ما حل بأولئك ، بناء على أن المعروف أن تجري أفعال اللّه على سنن واحد ، وليس هو وعيدا لأن قريشا لم تصبهم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ، وإن كانوا قد ساووهما في التكذيب والإعراض عن الرسل وفي التعللات التي تعللوا بها من قولهم : لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً [ المؤمنون : 24 ] وأمهل اللّه قريشا حتى آمن كثير