الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
26
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
منهم واستأصل كفارهم بعذاب خاص . وحقيقة الصاعقة : نار تخرج مع البرق تحرق ما تصيبه ، وتقدم ذكرها في قوله تعالى : يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ في سورة البقرة [ 19 ] . وتطلق على الحادثة المبيرة السريعة الإهلاك ، ولما أضيفت صاعقة هنا إلى عاد وثمود ، وعاد لم تهلكهم الصاعقة وإنما أهلكهم الريح وثمود أهلكوا بالصاعقة فقد استعمل الصاعقة هنا في حقيقته ومجازه ، أو هو من عموم المجاوز والمقتضي لذلك على الاعتبارين قصد الإيجاز ، وليقع الإجمال ثم التفصيل بعد بقوله : فَأَمَّا عادٌ [ فصلت : 15 ] إلى قوله : بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [ فصلت : 17 ] . و إِذْ ظرف للماضي ، والمعنى مثل صاعقتهم حين جاءتهم الرسل إلى آخر الآيات . روى ابن إسحاق في سيرته أن عتبة بن ربيعة كلم النبي صلى اللّه عليه وسلّم فيما جاء به من خلاف قومه فتلا عليهم النبي صلى اللّه عليه وسلّم : حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حتى بلغ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً [ فصلت : 1 - 13 ] الآية ، فأمسك عتبة على فم النبي صلى اللّه عليه وسلّم وقال له : « ناشدتك اللّه والرحم » . وضمير جاءَتْهُمُ عائد إلى عاد وثمود باعتبار عدد كل قبيلة منهما . وجمع الرسل هنا من باب إطلاق صيغة الجمع على الاثنين مثل قوله تعالى : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [ التحريم : 4 ] ، والقرينة واضحة وهو استعمال غير عزيز ، وإنما جاءهم رسولان هود وصالح . وقوله : مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ تمثيل لحرص رسول كل منهم على هداهم بحيث لا يترك وسيلة يتوسل بها إلى إبلاغهم الدين إلا توسل بها . فمثّل ذلك بالمجيء إلى كل منهم تارة من أمامه وتارة من خلفه لا يترك له جهة ، كما يفعل الحريص على تحصيل أمر أن يتطلبه ويعيد تطلبه ويستوعب مظانّ وجوده أو مظانّ سماعه ، وهذا التمثيل نظير الذي في قوله تعالى حكاية عن الشيطان ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ [ الأعراف : 17 ] . وإنما اقتصر في هذه الآية على جهتين ولم تستوعب الجهات الأربع كما مثل حال الشيطان في وسوسته لأن المقصود هنا تمثيل الحرص فقط وقد حصل ، والمقصود في الحكاية عن الشيطان تمثيل الحرص مع التلهف تحذيرا منه وإثارة لبغضه في نفوس الناس . و أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ تفسير لجملة جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ لتضمن المجيء معنى الإبلاغ بقرينة كون فاعل المجيء متصفا بأنهم رسل ، فتكون ( أن ) تفسيرية ل جاءَتْهُمُ بهذا التأويل