الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
230
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهم دائبون على عبادته ، فكأنهم في حضرة اللّه ، وهذا كقوله : وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ [ الأنبياء : 19 ] وقوله : إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ [ الأعراف : 206 ] ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « تحاجّ آدم وموسى عند اللّه عزّ وجل » الحديث ، فالعندية مجاز والقرينة هي شأن من أضيف إليه عند . وقرأ الباقون عِبادُ الرَّحْمنِ بعين وموحدة بعدها ألف ثم دال مضمومة على معنى : الذين هم عباد مكرمون ، فالإضافة إلى اسم الرحمن تفيد تشريفهم قال تعالى : بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [ الأنبياء : 26 ] والعبودية عبودية خاصة وهي عبودية القرب كقوله تعالى : فَكَذَّبُوا عَبْدَنا [ القمر : 9 ] . وجملة أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ معترضة بين جملة وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ وجملة وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ [ الزخرف : 20 ] . وقرأ نافع وأبو جعفر بهمزتين أولاهما مفتوحة والأخرى مضمومة وسكون شين أَ شَهِدُوا مبنيا للنائب وكيفية أداء الهمزتين يجري على حكم الهمزتين في قراءة نافع ، وعلى هذه القراءة فالهمزة للاستفهام وهو للإنكار والتوبيخ . وجيء بصيغة النائب عن الفاعل دون صيغة الفاعل لأن الفاعل معلوم أنه اللّه تعالى لأن العالم العلوي الذي كان فيه خلق الملائكة لا يحضره إلا من أمر اللّه بحضوره ، ألا ترى إلى ما ورد في حديث الإسراء من قول كلّ ملك موكّل بباب من أبواب السماوات لجبريل حين يستفتح » من أنت ؟ قال : جبريل ، قال : ومن معك ؟ قال : محمد قال : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم ، قال : مرحبا ونعم المجيء جاء وفتح له » . والمعنى : أأشهدهم اللّه خلق الملائكة وكقوله تعالى : ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الكهف : 51 ] . وقرأه الباقون بهمزة مفتوحة فشين مفتوحة بصيغة الفعل ، فالهمزة لاستفهام الإنكار دخلت على فعل شهد ، أي ما حضروا خلق الملائكة على نحو قوله تعالى : أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ [ الصافات : 150 ] . وجملة سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ بدل اشتمال من جملة أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ لأن ذلك الإنكار يشتمل على الوعيد . وهذا خبر مستعمل في التوعد . وكتابة الشهادة كناية عن تحقق العقاب على كذبهم كما تقدم آنفا في قوله : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ