الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
183
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى * إذا ظهرت في المأزق المتداني والعرض : أصله إظهار الشيء وإراءته للغير ، ولذلك كان قول العرب : عرضت البعير على الحوض معدودا عند علماء اللغة وعلماء المعاني من قبيل القلب في التركيب ، ثم تتفرع عليه إطلاقات عديدة متقاربة دقيقة تحتاج إلى تدقيق . ومن إطلاقاته قولهم : عرض الجند على الأمير ، وعرض الأسرى على الأمير ، وهو إمرارهم ليرى رأيه في حالهم ومعاملتهم ، وهو إطلاقه هنا على طريق الاستعارة ، استعير لفظ يُعْرَضُونَ لمعنى : يمرّ بهم مرّا عاقبته التمكن منهم والحكم فيهم فكأنّ جهنم إذا عرضوا عليها تحكم بما أعدّ اللّه لهم من حريقها ، ويفسره قوله في سورة الأحقاف [ 20 ] وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها الآية . وقد تقدم إطلاق له آخر عند قوله تعالى : ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ في سورة البقرة [ 31 ] . وبني فعل يُعْرَضُونَ للمجهول لأن المقصود حصول الفعل لا تعيين فاعله . والذين يعرضون الكافرين على النار هم الملائكة كما دلت عليه آيات أخرى . وضمير عَلَيْها عائد إلى العذاب بتأويل أنه النار أو جهنم أو عائد إلى جهنم المعلومة من المقام . وانتصب خاشِعِينَ على الحال من ضمير الغيبة في تَراهُمْ لأنها رؤية بصرية . والخشوع : التطامن وأثر انكسار النفس من استسلام واستكانة فيكون للمخافة ، وللمهابة ، وللطاعة ، وللعجز عن المقاومة . والخشوع مثل الخضوع إلّا أن الخضوع لا يسند إلّا إلى البدن فيقال : خضع فلان ، ولا يقال : خضع بصره إلا على وجه الاستعارة ، كما في قوله تعالى : فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ [ الأحزاب : 32 ] ، وأما الخشوع فيسند إلى البدن كقوله تعالى : خاشِعِينَ لِلَّهِ في آخر سورة آل عمران [ 199 ] . ويسند إلى بعض أعضاء البدن كقوله تعالى : خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ في سورة القمر [ 7 ] ، وقوله : وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً في سورة طه [ 108 ] . والمراد بالخشوع في هذه الآية ما يبدو عليهم من أثر المذلة والمخافة . فقوله : مِنَ الذُّلِّ متعلق ب خاشِعِينَ وتعلقه به يغني عن تعليقه ب يَنْظُرُونَ ويفيد ما لا يفيده تعليقه به .