الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
184
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و مِنَ للتعليل ، أي خاشعين خشوعا ناشئا عن الذل ، أي ليس خشوعهم لتعظيم اللّه والاعتراف له بالعبودية لأن ذلك الاعتقاد لم يكن من شأنهم في الدنيا . وجملة يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ في موضع الحال من ضمير خاشِعِينَ لأن النظر من طرف خفيّ حالة للخاشع الذليل ، والمقصود من ذكرها تصوير حالتهم الفظيعة . وفي قريب من هذا المعنى قول النابغة يصف سبايا : ينظرن شزرا إلى من جاء عن عرض * بأوجه منكرات الرقّ أحرار وقول جرير : فغضّ الطرف إنك من نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا والطرف : أصله مصدر ، وهو تحريك جفن العين ، يقال : طرف من باب ضرب ، أي حرّك جفنه ، وقد يطلق على العين من تسمية الشيء بفعله ، ولذلك لا يثنّى ولا يجمع قال تعالى : لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ [ إبراهيم : 43 ] . ووصفه في هذه الآية ب خَفِيٍّ يقتضي أنه أريد به حركة العين ، أي ينظرون نظرا خفيّا ، أي لا حدّة له فهو كمسارقة النظر ، وذلك من هول ما يرونه من العذاب ، فهم يحجمون عن مشاهدته للروع الذي يصيبهم منها ، ويبعثهم ما في الإنسان من حب الاطلاع على أن يتطلعوا لما يساقون إليه كحال الهارب الخائف ممن يتبعه ، فتراه يمعن في الجري ويلتفت وراءه الفينة بعد الفينة لينظر هل اقترب منه الذي يجري وراءه وهو في تلك الالتفاتة أفات خطوات من جريه لكن حب الاطلاع يغالبه . و مِنَ في قوله : مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ للابتداء المجازي . والمعنى : ينظرون نظرا منبعثا من حركة الجفن الخفيّة . وحذف مفعول يَنْظُرُونَ للتعميم أي ينظرون العذاب ، وينظرون أهوال الحشر وينظرون نعيم المؤمنين من طرف خفيّ . وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ . يترجح أن الواو للحال لا للعطف ، والجملة حال من ضمير الغيبة في تَراهُمْ ، أي تراهم في حال الفظاعة الملتبسين بها ، وتراهم في حال سماع الكلام الذامّ لهم الصادر من المؤمنين إليهم في ذلك المشهد . وحذفت ( قد ) مع الفعل الماضي لظهور قرينة الحال . وهذا قول المؤمنين يوم القيامة إذ كانوا يومئذ مطمئنين من الأهوال شاكرين ما سبق