الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

182

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ [ الشورى : 35 ] ، وقوله : وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ . والمعنى : أنهم لا يجدون محيصا ولا وليا ، فلا يجدون إلا الندامة على ما فات فيقولوا هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ . والاستفهام بحرف هَلْ إنكاري في معنى النفي ، فلذلك أدخلت مَنْ الزائدة على سَبِيلٍ لأنه نكرة في سياق النفي . والمرد : مصدر ميمي للردّ ، والمراد بالرد : الرجوع ، يقال : رده ، إذا أرجعه . ويجوز أن يكون مَرَدٍّ بمعنى الدفع ، أي هل إلى ردّ العذاب عنا الذي يبدو لنا سبيل حتى لا نقع فيه ، فهو في معنى إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ في سورة الطور [ 8 ] . والخطاب في تَرَى لغير معيّن ، أي تناهت حالهم في الظهور فلا يختص به مخاطب ، أو الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلّم تسلية له على ما لاقاه منهم من التكذيب . والمقصود : الإخبار بحالهم أولا ، والتعجيب منه ثانيا ، فلم يقل : والظالمون لما رأوا العذاب يقولون ، وإنما قيل : وَتَرَى الظَّالِمِينَ للاعتبار بحالهم . ومجيء فعل رَأَوُا الْعَذابَ بصيغة الماضي للتنبيه على تحقيق وقوعه ، فالمضي مستعار للاستقبال تشبيها للمستقبل بالماضي في التحقق ، والقرينة فعل تَرَى الذي هو مستقبل إذ ليست الرؤية المذكورة بحاصلة في الحال فكأنه قيل : لما يرون العذاب . وجملة يَقُولُونَ حال من الظَّالِمِينَ أي تراهم قائلين ، فالرؤية مقيدة بكونها في حال قولهم ذلك ، أي في حال سماع الرائي قولهم . [ 45 ] [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 45 ] وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ ( 45 ) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ . أعيد فعل ( ترى ) للاهتمام بهذه الرؤية وتهويلها كما أعيد فعل ( تلاقوا ) في قول ودّاك بن ثميل المازني : رويدا بني شيبان بعض وعيدكم * تلاقوا غدا خيلي على سفوان