الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

17

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ومجيء فعل « تكفرون » بصيغة المضارع لإفادة أن تجدد كفرهم يوما فيوما مع سطوع الأدلة التي تقتضي الإقلاع عنه أمر أحق بالتوبيخ . ومعنى الكفر به الكفر بانفراده بالإلهية ، فلما أشركوا معه آلهة كانوا واقعين في إبطال إلهيته لأن التعدد ينافي حقيقة الإلهية فكأنهم أنكروا وجوده لأنهم لمّا أنكروا صفات ذاته فقد تصوروه على غير كنهه . وأدمج في هذا الاستدلال بيان ابتداء خلق هذه العوالم ، فمحل الاستدلال هو صلة الموصول ، وأما ما تعلق بها فهو إدماج . و الْأَرْضَ : هي الكرة الأرضية بما فيها من يابس وبحار ، أي خلق جرمها . واليومان : تثنية يوم ، وهو الحصة التي بين طلوع الشمس من المشرق وطلوعها ثانية . والمراد : في مدة تساوي يومين مما عرفه الناس بعد خلق الأرض لأن النور والظلمة اللذان يقدّر اليوم بظهورهما على الأرض لم يظهرا إلا بعد خلق الأرض ، وقد تقدم ذلك في سورة الأعراف . وإنما ابتدئ بذكر خلق الأرض لأن آثاره أظهر للعيان وهي في متناول الإنسان ، فلا جرم أن كانت الحجة عليهم بخلق الأرض أسبق نهوضا . ولأن النعمة بما تحتوي عليه الأرض أقوى وأعمّ فيظهر قبح الكفران بخالقها أوضح وأشنع . وعطف وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً على لَتَكْفُرُونَ تفسير لكفرهم باللّه . وكان مقتضى الظاهر أن في التفسير لا يعطف فعدل إلى عطفه ليكون مضمونه مستقلا بذاته . والأنداد : جمع ندّ بكسر النون وهو المثل . والمراد : أنداد في الإلهية . والتعبير عن الجلالة بالموصول دون الاسم العلم لما تؤذن به الصلة من تعليل التوبيخ ، لأن الذي خلق الأرض هو المستحق للعبادة . والإشارة ب ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ إلى « الذي خلق الأرض في يومين » وفي الإشارة نداء على بلادة رأيهم إذ لم يتفطنوا إلى أن الذي خلق الأرض هو رب العالمين لأنه خالق الأرض وما فيها ، ولا إلى أن ربوبيته تقتضي انتفاء الند والشريك ، وإذا كان هو رب العالمين فهو رب ما دون العالمين من الأجناس التي هي أحط من العقلاء كالحجارة والأخشاب التي منها صنع أصنامهم . وجملة ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ معترضة بين المعطوفات على الصلة .