الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
18
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 10 ] [ سورة فصلت ( 41 ) : آية 10 ] وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ( 10 ) عطف على فعل الصلة لا على معمول الفعل ، فجملة وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ إلخ صلة ثانية في المعنى ، ولذلك جيء بفعل آخر غير فعل ( خلق ) لأن هذا الجعل تكوين آخر حصل بعد خلق الأرض وهو خلق أجزاء تتصل بها إما من جنسها كالجبال وإما من غير جنسها كالأقوات ولذلك أعقب بقوله : فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بعد قوله : فِي يَوْمَيْنِ [ فصلت : 9 ] . والرواسي : الثوابت ، وهو صفة للجبال لأن الجبال حجارة لا تنتقل بخلاف الرمال والكثبان ، وهي كثيرة في بلاد العرب . وحذف الموصوف لدلالة الصفة عليه كقوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ [ الشورى : 32 ] أي السفن الجواري . وقد تقدم تفسيره عند قوله تعالى : وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ في سورة الأنبياء [ 31 ] . ووصف الرواسي ب مِنْ فَوْقِها لاستحضار الصورة الرائعة لمناظر الجبال ، فمنها الجميل المنظر المجلّل بالخضرة أو المكسوّ بالثلوج ، ومنها الرهيب المرأى مثل جبال النار ( البراكين ) ، والجبال المعدنية السود . و بارَكَ فِيها جعل فيها البركة . والبركة : الخير النافع ، وفي الأرض خيرات كثيرة فيها رزق الإنسان وماشيته ، وفيها التراب والحجارة والمعادن ، وكلها بركات . و قَدَّرَ جعل قدرا ، أي مقدارا ، قال تعالى : قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً [ الطلاق : 3 ] . والمقدار : النصاب المحدود بالنوع أو بالكمية ، فمعنى قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها أنه خلق في الأرض القوى التي تنشأ منها الأقوات وخلق أصول أجناس الأقوات وأنواعها من الحبّ للحبوب ، والكلأ والكمأة ، والنّوى للثمار ، والحرارة التي يتأثر بها تولد الحيوان من الدواب والطير ، وما يتولد منه الحيتان ودوابّ البحار والأنهار . ومن التقدير : تقدير كل نوع بما يصلح له من الأوقات من حر أو برد أو اعتدال . وأشار إلى ذلك قوله : وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [ نوح : 17 ] ويأتي القول فيه ، وقوله : وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : 81 ] وقوله : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً [ النحل : 80 ] الآية . وجمع الأقوات مضافا إلى ضمير الأرض يفيد العموم ، أي جميع أقواتها وعمومه