الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

6

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وسيأتي عند قوله تعالى : وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ [ الزمر : 10 ] أنها نزلت قبيل هجرة المؤمنين إلى الحبشة ، أي في سنة خمس قبل الهجرة . وهي السورة التاسعة والخمسون في ترتيب النزول على المختار ، نزلت بعد سورة سبأ وقبل سورة غافر . وعدت آياتها عند المدنيين والمكيين والبصريين اثنتين وسبعين ، وعند أهل الشام ثلاثا وسبعين ، وعند أهل الكوفة خمسا وسبعين . أغراضها ابتدئت هذه السورة بما هو كالمقدمة للمقصود ، وذلك بالتنويه بشأن القرآن تنويها تكرر في ستة مواضع « 1 » من هذه السورة لأن القرآن جامع لأغراضها . وأغراضها كثيرة تحوم حول إثبات تفرد اللّه تعالى بالإلهية وإبطال الشرك فيها . وإبطال تعللات المشركين لإشراكهم وأكاذيبهم . ونفي ضرب من ضروب الإشراك وهو زعمهم أن للّه ولدا . والاستدلال على وحدانية اللّه في الإلهية بدلائل تفرده بإيجاد العوالم العلوية والسفلية ، وبتدبير نظامها وما تحتوي عليه مما لا ينكر المشركون انفراده به . والخلق العجيب في أطوار تكون الإنسان والحيوان . والاستدلال عليهم بدليل من فعلهم وهو التجاؤهم إلى اللّه عندما يصيبهم الضر . والدعوة إلى التدبر فيما يلقى إليهم من القرآن الذي هو أحسن القول . وتنبيههم على كفرانهم شكر النعمة . والمقابلة بين حالهم وبين حال المؤمنين المخلصين للّه . وأن دين التوحيد هو الذي جاءت به الرسل من قبل . والتحذير من أن يحل بالمشركين ما حلّ بأهل الشرك من الأمم الماضية . وإعلام المشركين بأنهم وشركاءهم لا يعبأ بهم عند اللّه وعند رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم فاللّه غني عن عبادتهم ، ورسوله لا يخشاهم ولا يخاف أصنامهم لأن اللّه كفاه إياهم جميعا . وإثبات البعث والجزاء لتجزى كلّ نفس بما كسبت . وتمثيل البعث بإحياء الأرض بعد موتها . وضرب لهم مثله بالنوم والإفاقة بعده وأنه يوم الفصل بين المؤمنين والمشركين . وتمثيل حال المؤمنين وحال المشركين في الحياتين الحياة الدنيا والحياة الآخرة . ودعاء المشركين للإقلاع عن الإسراف على أنفسهم ، ودعاء

--> ( 1 ) هي قوله : تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ * الآيتين وقوله : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ الآية ، وقوله : وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ الآيتين ، وقوله : إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ الآية ، وقوله : اتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ الآية ، وقوله : بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي الآية .