الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
7
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المؤمنين للثبات على التقوى ومفارقة دار الكفر . وختمت بوصف حال يوم الحساب . وتخلل ذلك كلّه وعيد ووعد ، وأمثال ، وترهيب وترغيب ، ووعظ وإيماء بقوله : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ [ الزمر : 9 ] الآية إلى أن شأن المؤمنين أنهم أهل علم وأن المشركين أهل جهالة ، وذلك تنويه برفعة العلم ومذمة الجهل . [ 1 - 2 ] [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 1 ) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ( 2 ) فاتحة أنيقة في التنويه بالقرآن جعلت مقدمة لهذه السورة لأن القرآن جامع لما حوته وغيره من أصول الدين . ف تَنْزِيلُ مصدر مراد به معناه المصدريّ لا معنى المفعول ، كيف وقد أضيف إلى الكتاب وأصل الإضافة أن لا تكون بيانية . وتنزيل : مصدر نزّل المضاعف وهو مشعر بأنه أنزله منجّما . واختيار هذه الصيغة هنا للرد على الطاعنين لأنهم من جملة ما تعلّلوا به قولهم : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [ الفرقان : 32 ] . وقد تقدم الفرق بين المضاعف والمهموز في مثله في المقدمة الأولى . والتعريف في الْكِتابِ للعهد ، وهو القرآن المعهود بينهم عند كل تذكير وكل مجادلة . وأجرى على اسم الجلالة الوصف ب الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ للإيماء إلى أن ما ينزل منه يأتي على ما يناسب الصفتين ، فيكون عزيزا قال تعالى : وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ [ فصلت : 41 ] ، أي القرآن ، عزيز غالب بالحجة لمن كذّب به ، وغالب بالفضل لما سواه من الكتب من حيث إن الغلبة تستلزم التفضل والتفوق ، وغالب لبلغاء العرب إذ أعجزهم عن معارضة سورة منه ، ويكون حكيما مثل صفة منزّله . والحكيم : إمّا بمعنى الحاكم ، فالقرآن أيضا حاكم عن معارضيه بالحجة ، وحاكم على غيره من الكتب السماوية بما فيه من التفصيل والبيان قال تعالى : مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [ المائدة : 48 ] . وإمّا بمعنى : المحكم المتقن ، فالقرآن مشتمل على البيان الذي لا يحتمل الخطأ ، وإما بمعنى الموصوف بالحكمة ، فالقرآن مشتمل على الحكمة كاتصاف منزّله بها . وهذه