الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
5
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الجزء الرابع والعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ 39 - سورة الزمر سميت « سورة الزمر » من عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقد روى الترمذي عن عائشة قالت : « كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا ينام حتى يقرأ الزمر وبني إسرائيل » . وإنما سميت سورة الزمر لوقوع هذا اللفظ فيها دون غيرها من سور القرآن . وفي « تفسير القرطبي » عن وهب بن منبه أنه سمّاها « سورة الغرف » ( وتناقله المفسرون ) . ووجه أنها ذكر فيها لفظ الغرف ، أي بهذه الصيغة دون الغرفات ، في قوله تعالى : لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ [ الزمر : 20 ] الآية . وهي مكية كلّها عند الجمهور وعن ابن عباس أن قوله تعالى : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [ الزمر : 53 ] الآيات الثلاث . وقيل : إلى سبع آيات نزلت بالمدينة في قصة وحشيّ قاتل حمزة ، وسنده ضعيف ، وقصته عليها مخائل القصص . وعن عمر بن الخطاب أن تلك الآيات نزلت بالمدينة في هشام بن العاصي بن وائل إذ تأخر عن الهجرة إلى المدينة بعد أن استعد لها . وفي رواية : أن معه عياش بن أبي ربيعة وكانا تواعدا على الهجرة إلى المدينة ففتنا فافتتنا . والأصحّ أنها نزلت في المشركين كما سيأتي عند تفسيرها ، وما نشأ القول بأنها مدنيّة إلا لما روي فيها من القصص الضعيفة . وقيل : نزل أيضا قوله تعالى : قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ [ الزمر : 10 ] الآية بالمدينة . وعن ابن عباس أن قوله تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً [ الزمر : 23 ] الآية نزل بالمدينة . فبلغت الآيات المختلف فيها تسع آيات . والمتجه : أنها كلها مكية وأن ما يخيل أنه نزل في قصص معينة إن صحت أسانيده أن يكون وقع التمثل به في تلك القصص فاشتبه على بعض الرواة بأنه سبب نزول .