الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
33
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والتضرع فعدي بحرف ( إلى ) . وعائد الصلة محذوف دل عليه فعل الصلة تفاديا من تكرر الضمائر . والمعنى : نسي عبادة اللّه والابتهال إليه . والأنداد : جمع ندّ بكسر النون ، وهو الكفء ، أي وزاد على نسيان ربه فجعل له شركاء . واللام في قوله : لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ لام العاقبة ، أي لام التعليل المجازي لأن الإضلال لما كان نتيجة الجعل جاز تعليل الجعل به كأنه هو العلة للجاعل . والمعنى : وجعل للّه أندادا فضل عن سبيل اللّه . وقرأ الجمهور لِيُضِلَّ بضم الياء ، أي ليضل الناس بعد أن أضل نفسه إذ لا يضل الناس إلا ضالّ . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بفتح الياء ، أي ليضل هو ، أي الجاعل وهو إذا ضلّ أضل الناس . قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ . استئناف بياني لأن ذكر حالة الإنسان الكافر المعرض عن شكر ربه يثير وصفها سؤال السامع عن عاقبة هذا الكافر ، أي قل يا محمد للإنسان الذي جعل للّه أندادا ، أي قل لكل واحد من ذلك الجنس ، أو روعي في الإفراد لفظ الإنسان . والتقدير : قل تمتعوا بكفركم قليلا إنكم من أصحاب النار . وعلى مثل هذين الاعتبارين جاء إفراد كاف الخطاب بعد الخبر عن الإنسان في قوله تعالى : يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لا وَزَرَ * إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ في سورة القيامة [ 10 - 12 ] . والتمتع : الانتفاع الموقّت ، وقد تقدم عند قوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ في سورة [ الأعراف : 24 ] . والباء في بِكُفْرِكَ ظرفية أو للملابسة وليست لتعدية فعل التمتع . ومتعلّق التمتع محذوف دل عليه سياق التهديد . والتقدير : تمتع بالسلامة من العذاب في زمن كفرك أو متكسبا بكفرك تمتعا قليلا فأنت آئل إلى العذاب لأنك من أصحاب النار . ووصف التمتع بالقليل لأن مدة الحياة الدنيا قليل بالنسبة إلى العذاب في الآخرة ، وهذا كقوله تعالى : فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [ التوبة : 38 ] . وصيغة الأمر في قوله : تَمَتَّعْ مستعملة في الإمهال المراد منه الإنذار والوعيد . وجملة إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ بيان للمقصود من جملة تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا وهو الإنذار بالمصير إلى النار بعد مدة الحياة . و مِنْ للتبعيض لأن المشركين بعض الأمم