الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

34

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والطوائف المحكوم عليها بالخلود في النار . وأصحاب النار : هم الذين لا يفارقونها فإن الصحبة تشعر بالملازمة ، فأصحاب النار : المخلّدون فيها . [ 9 ] [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 9 ] أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 9 ) أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ . قرأ نافع وابن كثير وحمزة وحدهم أَمَّنْ بتخفيف الميم على أن الهمزة دخلت على ( من ) الموصولة فيجوز أن تكون الهمزة همزة استفهام و ( من ) مبتدأ والخبر محذوف دل عليه الكلام قبله من ذكر الكافر في قوله : وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً إلى قوله : مِنْ أَصْحابِ النَّارِ [ الزمر : 8 ] . والاستفهام إنكاري والقرينة على إرادة الإنكار تعقيبه بقوله : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لظهور أن هَلْ فيه للاستفهام الإنكاري وبقرينة صلة الموصول . تقديره : أمن هو قانت أفضل أم من هو كافر ؟ والاستفهام حينئذ تقريري ويقدر له معادل محذوف دل عليه قوله عقبه : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ . وجعل الفراء الهمزة للنداء و أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ : النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ناداه اللّه بالأوصاف العظيمة الأربعة لأنها أوصاف له ونداء لمن هم من أصحاب هذه الأوصاف ، يعني المؤمنين أن يقولوا : هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، وعليه فإفراد ( قل ) مراعاة للفظ ( من ) المنادى . وقرأ الجمهور أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ بتشديد ميم ( من ) على أنه لفظ مركب من كلمتين ( أم ) و ( من ) فأدغمت ميم ( أم ) في ميم ( من ) . وفي معناه وجهان : أحدهما : أن تكون ( أم ) معادلة لهمزة استفهام محذوفة مع جملتها دلت عليها ( أم ) لاقتضائها معادلا . ودل عليها تعقيبه ب هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لأن التسوية لا تكون إلا بين شيئين . فالتقدير : أهذا الجاعل للّه أندادا الكافر خير أمّن هو قانت ، والاستفهام حقيقي والمقصود لازمه ، وهو التنبيه على الخطأ عند التأمل . والوجه الثاني : أن تكون ( أم ) منقطعة لمجرد الإضراب الانتقالي . و ( أم ) تقتضي استفهاما مقدرا بعدها . ومعنى الكلام : دع تهديدهم بعذاب النار وانتقل بهم إلى هذا