الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

28

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ « 1 » [ الفرقان : 17 ] . الآية ؛ وإن كان الغالب في القرآن في لفظ العباد المضاف إلى اسم اللّه تعالى أو ضميره أن يطلق على خصوص المؤمنين والمقرّبين ، وقرينة السياق ظاهرة هنا ظهورا دون ظهورها في قوله : أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ [ الفرقان : 17 ] . والرضى حقيقته : حالة نفسانية تعقب حصول ملائم مع ابتهاج به ، وهو على التحقيق فيه معنى ليس في معنى الإرادة لما فيه من الاستحسان والابتهاج ويعبر عنه بترك الاعتراض ، ولهذا يقابل الرضى بالسخط ، وتقابل الإرادة بالإكراه ، والرضى آئل إلى معنى المحبة . والرضى يترتب عليه نفاسة المرضيّ عند الراضي وتفضيله واختياره ، فإذا أسند الرضى إلى اللّه تعالى تعيّن أن يكون المقصود لازم معناه الحقيقي لأن اللّه منزّه عن الانفعالات ، كشأن إسناد الأفعال والصفات الدالة في اللغة على الانفعالات مثل : الرحمن والرؤوف ، وإسناد الغضب والفرح والمحبة ، فيؤوّل الرضى بلازمه من الكرامة والعناية والإثابة إن عدي إلى الناس ، ومن النفاسة والفضل إن عدّي إلى أسماء المعاني . وقد فسره صاحب « الكشاف » بالاختيار في قوله تعالى : وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً في سورة العقود [ 3 ] . وفعل الرضى يعدّى في الغالب بحرف ( عن ) ، فتدخل على اسم عين لكن باعتبار معنى فيها هو موجب الرضى . وقد يعدّى بالباء فيدخل غالبا على اسم معنى نحو : رضيت بحكم فلان ، ويدخل على اسم ذات باعتبار معنى يدل عليه تمييز بعده نحو : رضيت باللّه ربّا ، أو نحوه مثل : أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ [ التوبة : 38 ] ، أو قرينة مقام كقول قريش في وضع الحجر الأسود : هذا محمد قد رضينا به ، أي رضينا به حكما إذ هم قد اتفقوا على تحكيم أول داخل . ويعدّى بنفسه ، ولعله يراعى فيه التضمين ، أو الحذف والإيصال ، فيدخل غالبا على اسم معنى نحو : رضيت بحكم فلان بمعنى : أحببت حكمه . وفي هذه الحالة قد يعدّى إلى مفعول ثان بواسطة لام الجر نحو : وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [ المائدة : 3 ] ، أي رضيته لأجلكم وأحببته لكم ، أي لأجلكم ، أي لمنفعتكم وفائدتكم . وفي هذا التركيب مبالغة في التنويه بالشيء المرضي لدى السامع حتى كأن المتكلم يرضاه لأجل السامع .

--> ( 1 ) في المطبوعة : ( ويوم نحشرهم جميعا فيقول ) وهذا خطأ .