الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

29

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فإذا كان قوله : لِعِبادِهِ عامّا غير مخصوص وهو من صيغ العموم ثار في الآية إشكال بين المتكلمين في تعلّق إرادة اللّه تعالى بأفعال العباد إذ من الضروريّ أن من عباد اللّه كثيرا كافرين ، وقد أخبر اللّه تعالى أنه لا يرضى لعباده الكفر ، وثبت بالدليل أن كل واقع هو مراد اللّه تعالى إذ لا يقع في ملكه إلا ما يريد فأنتج ذلك بطريقة الشكل الثالث أن يقال : كفر الكافر مراد للّه تعالى لقوله تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ [ الأنعام : 112 ] ولا شيء من الكفر بمرضي للّه تعالى لقوله : وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ ، ينتج القياس بعض ما أراده اللّه ليس بمرضي له فتعين أن تكون الإرادة والرضى حقيقتين مختلفتين وأن يكون لفظاهما غير مترادفين ، ولهذا قال الشيخ أبو الحسن الأشعري إن الإرادة غير الرضى ، والرضى غير الإرادة والمشيئة ، فالإرادة والمشيئة بمعنى واحد والرضى والمحبة والاختيار بمعنى واحد ، وهذا حمل لهذه الألفاظ القرآنية على معان يمكن معها الجمع بين الآيات قال التفتازانيّ : وهذا مذهب أهل التحقيق . وينبني عليها القول في تعلق الصفات الإلهية بأفعال العباد فيكون قوله تعالى : وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ راجعا إلى خطاب التكاليف الشرعية ، وقوله : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ [ الأنعام : 112 ] راجعا إلى تعلق الإرادة بالإيجاد والخلق . ويتركب من مجموعهما ومجموع نظائر كل منهما الاعتقاد بأن للعباد كسبا في أفعالهم الاختيارية وأن اللّه تتعلق إرادته بخلق تلك الأفعال الاختيارية عند توجه كسب العبد نحوها ، فاللّه خالق لأفعال العبد غير مكتسب لها . والعبد مكتسب غير خالق ، فإن الكسب عند الأشعري هو الاستطاعة المفسرة عنده بسلامة أسباب الفعل وآلاته ، وهي واسطة بين القدرة والجبر ، أي هي دون تعلق القدرة وفوق تسخير الجبر جمعا بين الأدلة الدينية الناطقة بمعنى : أن اللّه على كل شيء قدير ، وأنه خالق كل شيء ، وبين دلالة الضرورة على الفرق بين حركة المرتعش وحركة الماشي ، وجمعا بين أدلة عموم القدرة وبين توجيه الشريعة خطابها للعباد بالأمر بالإيمان والأعمال الصالحة ، والنهي عن الكفر والسيئات وترتيب الثواب والعقاب . وأما الذين رأوا الاتحاد بين معاني الإرادة والمشيئة والرضى وهو قول كثير من أصحاب الأشعري وجميع الماتريدية فسلكوا في تأويل الآية محمل لفظ لِعِبادِهِ على العام المخصوص ، أي لعباده المؤمنين واستأنسوا لهذا المحمل بأنه الجاري على غالب استعمال القرآن في لفظة ( العباد ) لاسم اللّه ، أو ضميره كقوله : عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ [ الإنسان : 6 ] ، قالوا : فمن كفر فقد أراد اللّه كفره ومن آمن فقد أراد اللّه إيمانه ، والتزم