الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

27

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجعلهم مصروفين عن التوحيد ولم يذكر لهم صارفا ، فجاء في ذلك بالفعل المبني للمجهول ولم يقل لهم : فأنى تنصرفون ، نعيا عليهم بأنهم كالمقودين إلى الكفر غير المستقلين بأمورهم يصرفهم الصارفون ، يعني أئمة الكفر أو الشياطين الموسوسين لهم . وذلك إلهاب لأنفسهم ليكفّوا عن امتثال أئمتهم الذين يقولون لهم : لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ [ فصلت : 26 ] ، عسى أن ينظروا بأنفسهم في دلائل الوحدانية المذكورة لهم . والمعنى : فكيف يصرفكم صارف عن توحيده بعد ما علمتم من الدلائل الآنفة . والمضارع هنا مراد منه زمن الاستقبال بقرينة تفريعه على ما قبله من الدلائل . [ 7 ] [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 7 ] إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 7 ) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ . أتبع إنكار انصرافهم عن توحيد اللّه بعد ما ظهر على ثبوته من الأدلة ، بأن أعلموا بأن كفرهم إن أصرّوا عليه لا يضر اللّه وإنما يضر أنفسهم . وهذا شروع في الإنذار والتهديد للكافرين ومقابلته بالترغيب والبشارة للمؤمنين فالجملة مستأنفة واقعة موقع النتيجة لما سبق من إثبات توحيد اللّه بالإلهية . فجملة إِنْ تَكْفُرُوا مبينة لإنكار انصرافهم عن التوحيد ، أي إن كفرتم بعد هذا الزمن فاعلموا أن اللّه غنيّ عنكم . ومعناه : غنيّ عن إقراركم له بالوحدانية ، أي غير مفتقر له . وهذا كناية عن كون طلب التوحيد منهم لنفعهم ودفع الضر عنهم لا لنفع اللّه ، وتذكيرهم بهذا ليقبلوا على النظر من أدلة التوحيد . والخبر مستعمل كناية في تنبيه المخاطب على الخطأ من فعله . وقوله : وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ اعتراض بين الشرطين لقصد الاحتراس من أن يتوهم السامعون أن اللّه لا يكترث بكفرهم ولا يعبأ به فيتوهموا أنه والشكر سواء عنده ، ليتأكد بذلك معنى استعمال الخبر في تنبيه المخاطب على الخطأ . وبهذا تعيّن أن يكون المراد من قوله : لِعِبادِهِ العباد الذين وجّه الخطاب إليهم في قوله : إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ، وذلك جري على أصل استعمال اللغة لفظ العباد ، كقوله : ويوم نحشرهم