الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

26

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

حال غيره من آلهتكم قال تعالى : أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ [ الرعد : 16 ] . والإتيان باسمه العلم لإحضار المسمّى في الأذهان باسم مختصّ زيادة في البيان لأن حال المخاطبين نزل منزلة حال من لم يعلم أن فاعل تلك الأفعال العظيمة هو اللّه تعالى . واسم الجلالة خبر عن اسم الإشارة . وقوله : رَبِّكُمْ صفة لاسم الجلالة . ووصفه بالربوبية تذكير لهم بنعمة الإيجاد والإمداد وهو معنى الربوبية ، وتوطئة للتسجيل عليهم بكفران نعمته الآتي في قوله : إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [ الزمر : 7 ] . وجملة لَهُ الْمُلْكُ خبر ثان عن اسم الإشارة . والملك : أصله مصدر ملك ، وهو مثلث الميم إلا أن مضمون الميم خصه الاستعمال بملك البلاد ورعاية الناس ، وفيه جاء قوله تعالى : تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ [ آل عمران : 26 ] ، وصاحبه : ملك ، بفتح الميم وكسر اللام ، وجمعه : ملوك . وتقديم المجرور لإفادة الحصر الادعائي ، أي الملك للّه لا لغيره ، وأما ملك الملوك فهو لنقصه وتعرّضه للزوال بمنزلة العدم ، كما تقدم في قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ [ الفاتحة : 2 ] ، وفي حديث القيامة : « ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض » ، فالإلهية هي الملك الحقّ ، ولذلك كان ادعاؤهم شركاء للإله الحق خطأ ، فكان الحصر الادعائي لإبطال ادعاء المشركين . وجملة لا إِلهَ إِلَّا هُوَ بيان لجملة الحصر في قوله : لَهُ الْمُلْكُ . وفرع عليه استفهام إنكاري عن انصرافهم عن توحيد اللّه تعالى ، ولما كان الانصراف حالة استفهم عنها بكلمة أنى التي هي هنا بمعنى ( كيف ) كقوله تعالى : أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ [ الأنعام : 101 ] . والصرف : الإبعاد عن شيء ، والمصروف عنه هنا محذوف ، تقديره : عن توحيده ، بقرينة قوله : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ .