الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
191
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وأغنى الكلام على تعدية فعل : أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ [ غافر : 30 ] عن إعادته هنا . وجملة وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ عطف على جملة إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ لتضمنها معنى : إني أرشدتكم إلى الحذر من يوم التنادي . وفي الكلام إيجاز بحذف جمل تدل عليها الجملة المعطوفة . والتقدير : هذا إرشاد لكم فإن هداكم اللّه عملتم به وإن أعرضتم عنه فذلك لأن اللّه أضلكم ومن يضلل اللّه فما له من هاد ، وفي هذه الجملة معنى التذييل . ومعنى إسناد الإضلال والإغواء ونحوهما إلى اللّه أن يكون قد خلق نفس الشخص وعقله خلقا غير قابل لمعاني الحق والصواب ، ولا ينفعل لدلائل الاعتقاد الصحيح . وأراد من هذه الصلة العموم الشامل لكل من حرمه اللّه التوفيق ، وفيه تعريض بتوقعه أن يكون فرعون وقومه من جملة هذا العموم ، وآثر لهم هذا دون أن يقول : وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ [ الزمر : 37 ] لأنه أحسّ منهم الإعراض ولم يتوسم فيهم مخائل الانتفاع بنصحه وموعظته . [ 34 - 35 ] [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 34 إلى 35 ] وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ ( 34 ) الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ( 35 ) وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا . توسم فيهم قلة جدوى النصح لهم وأنهم مصممون على تكذيب موسى فارتقى في موعظتهم إلى اللوم على ما مضى ، ولتذكيرهم بأنهم من ذرية قوم كذّبوا يوسف لما جاءهم بالبينات فتكذيب المرشدين إلى الحق شنشنة معروفة في أسلافهم فتكون سجية فيهم . وتأكيد الخبر ب ( قد ) ولام القسم لتحقيقه لأنهم مظنة أن ينكروه لبعد عهدهم به . فالمجيء في قوله : جاءَكُمْ مستعار للحصول والظهور والباء للملابسة ، أي ولقد ظهر لكم يوسف ببيّنات . ولا يلزم أن يكون إظهار البينات مقارنا دعوة إلى شرع لأنه لما