الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
192
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أظهر البينات وتحققوا مكانته كان عليهم بحكم العقل السليم أن يتبينوا آياته ويستهدوا طريق الهدى والنجاة ، فإن اللّه لم يأمر يوسف بأن يدعو فرعون وقومه ، لحكمة لعلّها هي انتظار الوقت والحال المناسب الذي ادخره اللّه لموسى عليه السلام . والبيّنات : الدلائل البينة المظهرة أنه مصطفى من اللّه للإرشاد إلى الخير ، فكان على كل عاقل أن يتبع خطاه ويترسم آثاره ويسأله عما وراء هذا العالم الماديّ ، بناء على أن معرفة الوحدانية واجبة في أزمان الفترات : إما بالعقل ، أو بما تواتر بين البشر من تعاليم الرسل السابقين على الخلاف بين المتكلمين . والبينات : إخباره بما هو مغيب عنهم من أحوالهم بطريق الوحي في تعبير الرّؤى ، وكذلك آية العصمة التي انفرد بها من بينهم وشهدت له بها امرأة العزيز وشاهد أهلها حتى قال الملك : ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي [ يوسف : 54 ] ، فكانت دلائل نبوءة يوسف واضحة ولكنهم لم يستخلصوا منها استدلالا يقتفون به أثره في صلاح آخرتهم ، وحرصوا على الانتفاع به في تدبير أمور دنياهم فأودعوه خزائن أموالهم وتدبير مملكتهم ، فقال له الملك : إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ [ يوسف : 54 ] . ولم يخطر ببالهم أن يسترشدوا به في سلوكهم الديني . فإن قلت : إذا لم يهتدوا إلى الاسترشاد بيوسف في أمور دينهم وألهاهم الاعتناء بتدبير الدنيا عن تدبير الدين فلما ذا لم يدعهم يوسف إلى الاعتقاد بالحق واقتصر على أن سأل من الملك : اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [ يوسف : 55 ] . قلت : لأن اللّه لم يأمره بالدعوة للإرشاد إلا إذا سئل منه ذلك لحكمة كما علمت آنفا ، فأقامه اللّه مقام المفتي والمرشد لمن استرشد لا مقام المحتسب المغيّر للمنكر ، و اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالاته [ الأنعام : 124 ] ، فلما أقامه اللّه كذلك وعلم يوسف من قول الملك : إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ [ يوسف : 54 ] أن الملك لا يريد إلا تدبير مملكته وأمواله ، لم يسأله أكثر مما يفي له بذلك . وأما وجوب طلبهم المعرفة والاسترشاد منه فذلك حق عليهم ، فمعنى : فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ الإنحاء على أسلافهم في قلة الاهتمام بالبحث عن الكمال الأعلى وهو الكمال النفساني باتباع الدين القويم ، أي فما زال أسلافكم يشعرون بأن يوسف على أمر عظيم من الهدى غير مألوف لهم ويهرعون إليه في مهماتهم ثم لا تعزم نفوسهم على أن يطلبوا منه الإرشاد في أمور الدين . فهم من أمره في حالة شك ، أي كان حاصل ما بلغوا إليه في شأنه أنهم في شك مما يكشف لهم