الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
176
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
التأكيد تحقيق للقصر . وقد ذكر التفتازانيّ في « شرح المفتاح » في مبحث ضمير الفصل أن القصر يؤكّد . وقرأ نافع وهشام عن ابن عامر تدعون بتاء الخطاب على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب لقرع أسماع المشركين بذلك . وقرأ الجمهور بياء الغيبة على الظاهر . [ 21 - 22 ] [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 21 إلى 22 ] أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ ( 21 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 22 ) انتقال من إنذارهم بعذاب الآخرة على كفرهم إلى موعظتهم وتحذيرهم من أن يحل بهم عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة كما حلّ بأمم أمثالهم . فالواو عاطفة جملة أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ على جملة وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ [ غافر : 18 ] إلخ . والاستفهام تقريري على ما هو الشائع في مثله من الاستفهام الداخل على نفي في الماضي بحرف ( لم ) ، والتقرير موجه للذين ساروا من قريش ونظروا آثار الأمم الذين أبادهم اللّه جزاء تكذيبهم رسلهم ، فهم شاهدوا ذلك في رحلتيهم رحلة الشتاء ورحلة الصيف وإنهم حدثوا بما شاهدوه من تضمهم نواديهم ومجالسهم فقد صار معلوما للجميع ، فبهذا الاعتبار أسند الفعل المقرر به إلى ضمير الجمع على الجملة . والمضارع الواقع بعد ( لم ) والمضارع الواقع في جوابه منقلبان إلى المضي بواسطة ( لم ) . وتقدم شبيه هذه الآية في آخر سورة فاطر وفي سورة الروم . والضمير المنفصل في قوله : كانُوا هُمْ ضمير فصل عائد إلى لِلظَّالِمِينَ [ غافر : 18 ] وهم كفار قريش الذين أريدوا بقوله : وَأَنْذِرْهُمْ [ غافر : 18 ] ، وضمير الفصل لمجرد توكيد الحكم وتقويته وليس مرادا به قصر المسند على المسند إليه ، أي قصر الأشدّية على ضمير : كانُوا إذ ليس للقصر معنى هنا كما تقدم في قوله تعالى : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ في سورة طه [ 14 ] وهذا ضابط التفرقة بين ضمير الفصل الذي يفيد القصر وبين الذي يفيد مجرد التأكيد . واقتصار القزويني في « تلخيص المفتاح » على إفادة ضمير الفصل الاختصاص تقصير تبع فيه كلام « المفتاح » وقد نبه عليه سعد الدين في « شرحه على التلخيص » .