الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
177
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمراد بالقوة القوة المعنوية وهي كثرة الأمة ووفرة وسائل الاستغناء عن الغير كما قال تعالى : فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [ فصلت : 15 ] . وجملة كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً إلخ مستأنفة استئنافا بيانيا لتفصيل الإجمال الذي في قوله : كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ لأن العبرة بالتفريع بعدها بقوله : فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ . وقرأ الجمهور مِنْهُمْ بضمير الغائب ، وقرأه ابن عامر منكم بضمير خطاب الجماعة وكذلك رسمت في مصحف الشام ، وهذه الرواية جارية على طريقة الالتفات . والآثار : جمع أثر ، وهو شيء أو شكل يرسمه فعل شيء آخر ، مثل أثر الماشي في الرمل قال تعالى : فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ [ طه : 96 ] ومثل العشب أثر المطر في قوله تعالى : فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [ الروم : 50 ] ، ويستعار الأثر لما يقع بعد شيء كقوله تعالى : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ [ الكهف : 6 ] . والمراد بالأرض : أرض أمتهم . والفاء في فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ لتفريع الأخذ على كونهم أشدّ قوة من قريش لأن القوة أريد بها هنا الكناية عن الإباء من الحق والنفور من الدعوة ، فالتقدير : فأعرضوا ، أو فكفروا فأخذهم اللّه . والآخذ : الاستئصال والإهلاك كنّي عن العقاب بالأخذ ، أو استعمل الأخذ مجازا في العقاب . والذنوب : جمع ذنب وهو المعصية ، والمراد بها الإشراك وتكذيب الرسل ، وذلك يستتبع ذنوبا جمة ، وسيأتي تفسيرها بقوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ . ومعنى : وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ ما كان لهم من عقابه وقدرته عليهم ، فالواقي : هو المدافع الناصر . و مِنْ الأولى متعلقة ب واقٍ ، وقدم الجار والمجرور للاهتمام بالمجرور ، و مِنْ الثانية زائدة لتأكيد النفي بحرف ( ما ) وذلك إشارة إلى المذكور وهو أخذ اللّه إياهم بذنوبهم . والباء للسببية ، أي ذلك الأخذ بسبب أنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا