الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

175

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [ الأنفال : 36 ] أعيد الموصول ولم يؤت بضمير الَّذِينَ كَفَرُوا ليفيد تقديم الاسم على الفعل تقوّي الحكم . والجملة من تمام الغرض الذي سيقت إليه جملة يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ [ غافر : 19 ] كما تقدم ، وكلتاهما ناظرة إلى قوله : ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ [ غافر : 18 ] أي أن ذلك من القضاء بالحق . وأما جملة والذين تدعون مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ فناظرة إلى جملة ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ [ غافر : 18 ] فبعد أن نفي عن أصنامهم الشفاعة ، نفي عنها القضاء بشيء ما بالحق أو بالباطل وذلك إظهار لعجزها . ولا تحسبنّ جملة والذين تدعون مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ مسوقة ضميمة إلى جملة : وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ليفيد مجموع الجملتين قصر القضاء بالحق على اللّه تعالى قصر قلب ، أي دون الأصنام ، كما أفيد القصر من ضم الجملتين في قول السموأل أو عبد الملك الحارثي : تسيل على حد الظّبات نفوسنا * وليست على غير الظّبات تسيل لأن المنفي عن آلهتهم أعمّ من المثبت للّه تعالى ، وليس مثل ذلك مما يضاد صيغة القصر لكفى في إفادته تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي بحمله على إرادة الاختصاص في قوله : وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ . فالمراد من قوله : والذين تدعون مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ التذكير بعجز الذين يدعونهم وأنهم غير أهل للإلهية ، وهذه طريقة في إثبات صفة لموصوف ثم تعقيب ذلك بإظهار نقيضه فيما يعدّ مساويا له كما في قول أمية بن أبي الصلت : تلك المكارم لا قعبان من لبن * شيبا بماء فصار فيما بعد أبوالا وإلّا لما كان لعطف قوله : لا قعبان من لبن ، مناسبة . والدعاء يجوز أن يكون بمعنى النداء وأن يكون بمعنى العبادة كما تقدم آنفا . وجملة إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ مقررة لجمل يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ إلى قوله : لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ [ غافر : 19 ، 20 ] . فتوسيط ضمير الفصل مفيد للقصر وهو تعريض بأن آلهتهم لا تسمع ولا تبصر فكيف ينسبون إليها الإلهية ، وإثبات المبالغة في السمع والبصر للّه تعالى يقرر معنى يَقْضِي بِالْحَقِّ لأن العالم بكل شيء تتعلق حكمته بإرادة الباطل ولا تخطئ أحكامه بالعثار في الباطل . وتأكيد الجملة بحرف