الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

156

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ الأعراف : 131 ] صيغت على وزن فيعلة للمبالغة في قيام الوصف بالموصوف مثل قيّم وسيّد وصيقل ، فالمعنى : وقهم من كل ما يسوءهم . فالتعريف في السَّيِّئاتِ للجنس وهو صالح لإفادة الاستغراق ، فوقوعه في سياق ما هو كالنفي وهو فعل الوقاية يفيد عموم الجنس ، على أن بساط الدعاء يقتضي عموم الجنس ولو بدون لام نفي كقول الحريري : يا أهل ذا المغني وقيتم ضرا وفي الحديث « اللهم أعط منفقا خلفا ، وممسكا تلفا » أي كلّ منفق وممسك . والمراد : إبلاغ هؤلاء المؤمنين أعلى درجات الرضى والقبول يوم الجزاء بحيث لا ينالهم العذاب ويكونون في بحبوحة النعيم ولا يعتريهم ما يكدرهم من نحو التوبيخ والفضيحة . وقد جاء هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله : فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ [ الإنسان : 11 ] . وجملة وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ تذييل ، أي وكل من وقي السيئات يوم القيامة فقد نالته رحمة اللّه ، أي نالته الرحمة كاملة ففعل رَحِمْتَهُ مراد به تعظيم مصدره . وقد دل على هذا المراد في هذه الآية قوله : وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ إذ أشير إلى المذكور من وقاية السيئات إشارة للتنويه والتعظيم . ووصف الفوز بالعظيم لأنه فوز بالنعيم خالصا من الكدرات التي تنقص حلاوة النعمة . وتنوين يَوْمَئِذٍ عوض عن المضاف إليه ، أي يوم إذ تدخلهم جنات عدن . [ 10 ] [ سورة غافر ( 40 ) : آية 10 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ ( 10 ) مقابلة سؤال الملائكة للمؤمنين بالنعيم الخالص يوم القيامة بما يخاطب به المشركون يومئذ من التوبيخ والتنديم وما يراجعون به من طلب العفو مؤذنة بتقدير معنى الوعد باستجابة دعاء الملائكة للمؤمنين ، فطيّ ذكر ذلك ضرب من الإيجاز . والانتقال منه إلى بيان ما سيحل بالمشركين يومئذ ضرب من الأسلوب الحكيم لأن قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ الآيات مستأنف استئنافا بيانيا كأنّ سائلا سأل عن تقبل دعاء الملائكة للمؤمنين فأجيب بأن الأهم أن يسأل عن ضد ذلك ، وفي هذا الأسلوب