الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
157
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إيماء ورمز إلى أن المهم من هذه الآيات كلها هو موعظة أهل الشرك رجوعا إلى قوله : وكذلك حقت كلمات رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ [ غافر : 6 ] والمراد ب الَّذِينَ كَفَرُوا هنا مشركو أهل مكة ، فإنهم المقصود بهذه الأخبار كما تقدم آنفا في قوله : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [ غافر : 7 ] . والمعنى : أنهم يناديهم الملائكة تبليغا عن رب العزة ، قال تعالى : أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [ فصلت : 44 ] وهو بعد عن مرتبة الجلال ، أي ينادون وهم في جهنم كما دل عليه قوله : فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ [ غافر : 11 ] . واللام في لَمَقْتُ اللَّهِ لام القسم . والمقت : شدة البغض . و إِذْ تُدْعَوْنَ ظرف ل مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ . و إِذْ ظرف للزمن الماضي ، أي حين كنتم تدعون إلى الإيمان على لسان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك في الدنيا بقرينة تُدْعَوْنَ وجيء بالمضارع في تُدْعَوْنَ و فَتَكْفُرُونَ للدلالة على تكرر دعوتهم إلى الإيمان وتكرر كفرهم ، أي تجدده . ومعنى : مقتهم أنفسهم حينئذ أنهم فعلوا لأنفسهم ما يشبه المقت إذ حرموها من فضيلة الإيمان ومحاسن شرائعه ورضوا لأنفسهم دين الكفر بعد أن أوقظوا على ما فيه من ضلال ومغبّة سوء ، فكان فعلهم ذلك شبيها بفعل المرء لبغيضه من الضر والكيد ، وهذا كما يقال : فلان عدو نفسه . وفي حديث سعد بن أبي وقاص عن عمر بن الخطاب أن عمر قال لنساء من قريش يسألن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويستكثرن ، فلما دخل عمر ابتدرن الحجاب فقال لهن : « يا عدوّات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » . فالمقت مستعار لقلة التدبر فيما يضر . وقد أشار إلى وجه هذه الاستعارة قوله : إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ فمناط الكلام هو فَتَكْفُرُونَ وفي ذكر يُنادَوْنَ ما يدل على كلام محذوف تقديره : أن الذين كفروا يمقتهم اللّه وينادون لمقت اللّه إلخ . ومعنى مقت اللّه : بغضه إياهم وهو مجاز مرسل أطلق على المعاملة بآثار البغض من التحقير والعقاب فهو أقرب إلى حقيقة البغض لأن المراد به أثره وهو المعاملة بالنكال ، وهو شائع شيوع نظائره مما يضاف إلى اللّه مما تستحيل حقيقته عليه ، وهذا الخبر مستعمل في التوبيخ والتنديم . و أَكْبَرُ بمعنى أشد وأخطر أثرا ، فإطلاق الكبر عليه مجاز لأن الكبر من أوصاف