الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

155

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 8 إلى 9 ] رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 8 ) وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 9 ) إعادة النداء في خلال جمل الدعاء اعتراض للتأكيد بزيادة التضرع ، وهذا ارتقاء من طلب وقايتهم العذاب إلى طلب إدخالهم مكان النعيم . والعدن : الإقامة ، أي الخلود . والدعاء لهم بذلك مع تحققهم أنهم موعودون به تأدب مع اللّه تعالى لأنه لا يسأل عما يفعل ، كما تقدم في سورة آل عمران [ 194 ] قوله : رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ . ويجوز أن يكون المراد بقولهم : وَأَدْخِلْهُمْ عجّل لهم بالدخول . ويجوز أن يكون ذلك تمهيدا لقولهم : وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ فإن أولئك لم يكونوا موعودين به صريحا . و مَنْ صَلَحَ عطف على الضمير المنصوب في أَدْخِلْهُمْ . والمعنى دعاء بأن يجعلهم اللّه معهم في مساكن متقاربة ، كما تقدم في قوله تعالى : هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ في سورة يس [ 56 ] ، وقوله : أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ في سورة الطور [ 21 ] . ورتبت القرابات في هذه الآية على ترتيبها الطبيعي فإن الآباء أسبق علاقة بالأبناء ثم الأزواج ثم الذريات . وجملة إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ اعتراض بين الدعوات استقصاء للرغبة في الإجابة بداعي محبة الملائكة لأهل الصلاح لما بين نفوسهم والنفوس الملكية من التناسب . واقتران هذه الجملة بحرف التأكيد للاهتمام بها . و ( إنّ ) في مثل هذا المقام تغني غناء فاء السببية ، أي فعزتك وحكمتك هما اللتان جرّأتانا على سؤال ذلك من جلالك ، فالعزة تقتضي الاستغناء عن الانتفاع بالأشياء النفيسة فلما وعد الصالحين الجنة لم يكن للّه ما يضنه بذلك فلا يصدر منه مطل ، والحكمة تقتضي معاملة المحسن بالإحسان . وأعقبوا بسؤال النجاة من العذاب والنعيم بدار الثواب بدعاء بالسلامة من عموم كل ما يسوءهم يوم القيامة بقولهم : وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وهو دعاء جامع إذ السيئات هنا جمع سيئة وهي الحالة أو الفعلة التي تسوء من تعلقت به مثل ما في قوله : فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا [ غافر : 45 ] وقوله تعالى : وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ